تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألفت ونظمت على غاية التناسب والتناسق والكمال بعضها مع بعض وكلها مع إنسان العين، ولكن كلها قد ولت ظهورها إلى إنسان العين وتوجهت إلى الداخل لا إلى الخارج، ولو استطعت أن تنظر من خلال الإنسان لرأيت عدوك مقلوبا أسفله أعلاه ويمينه شماله وذلك أمر يوقعك في ارتباك إذا حاولت أن تدافع من نفسك.

وقد علم الله ما كان سيحدث لو لم يجعل تلك الأجزاء التي تتألف منها العين على ذلك الترتيب الخاص قبل أن تبصر العين بالفعل، ولذلك رتب الله سبحانه الأبصار بواسطة ملايين الأعصاب الدقيقة التي تشبه الخيوط وهي متصلة بالدماغ وهو نظام تتحير العقول في إتقانه وأحكامه، وقد رفع إدراكنا بواسطة ذلك من الحرارة إلى الضوء، ولذلك صارت العين شديدة الإحساس باللون، ونحن لذلك نرى صورة ملونة، للدنيا من الجانب الأيمن إلى الأعلى، وهو ترتيب بصري في غاية الأحكام والاحتياط، وطبقات إنسان العين التي تسمى بالعدسات تختلف في الكثافة.

وبذلك تجلب الأشعة إلى البؤرة، ولا يستطيع الإنسان أن يجد مثل ذلك في جنس واحد كالزجاج مثلا، وكل هذا النظام العجيب في العدسات من الخيوط غير المخروطية والمخروطية والأعصاب وغير ذلك، لا بد أنها وجدت في وقت واحد، إذ قبل وجود كل واحد منها على الترتيب المذكور يكون الإبصار مستحيلا، فكيف استطاع كل عامل متحتم الوجود من تلك العوامل العديدة أن يعرف ما يحتاج إليه في خاصة نفسه، وما يحتاج إليه ليتفق مع العوامل الأخرى في العمل المشترك وينظم كل واحد نفسه مع شركائه ليتم العمل المطلوب وهو الإبصار.

وهنا استأذن القارئ في التعليق على ما تقدمت ترجمته فأقول: لعل هؤلاء السفهاء الذين يجحدون تصرف الله في ملكه وينسبون كل ما رأوا من عجائب صنعه إلى الطبيعة العمياء الصماء البكماء التي لا وجود لها إلا في مخيلاتهم يظنون أن خلق الحيوان ناطقه وصامته أنما هو مثل صنع لعبة أو دمية تصنع فتجيئها الحياة بعجائبها ودقائقها من سمع وبصر وتفكير ودورة دموية وتنفس وهضم إلى غير ذلك بلا علم ولا تقدير ولا تدبير؟

وقد أهاب الله بهم لو كانوا يسمعون أو يعقلون فقال جل من قائل في سورة الحج: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز) وقال تعالى في سورة الحج أيضا: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير) هذه الآية تنطبق انطباقا تاما على مطايا الاستعمار الروحي المادي، فإنهم يجادلون بغير علم وإذا سئلوا عن الدليل أحالوا السائل على مسيو فلان ومستر فلان من أسماء سادتهم المستعمرين وزعموا كذبا وبهتانا أن أئمة الاستعمارين الروحي والمادي تركوا الإيمان بالله فبلغوا ما بلغوا من الرقي فيجب علينا أن نترك الإيمان بالله لنصل إلى ما وصلوا إليه وفي كلامهم هذا من الخداع والبهتان ما لا يخفى على عاقل -أولا أن أئمة الاستعمار لهم دينهم وعقيدتهم ولنا ديننا وعقيدتنا، فلو فرضنا أنهم تركوا دينهم ونجحوا بتركه فلا يلزم من ذلك أننا نحن أيضا ننجح بترك ديننا، ثانيا أنهم كذبوا في زعمهم أن أئمة الاستعمار تركوا دينهم، فهذه كنائسهم وإرسالياتهم ودعاتهم قد ملأوا بلادنا الإفريقية وملأوا البلاد الأسيوية وسائر القارات، وهم ينفقون على ذلك أموالا طائلة عزيزة عليهم يحبونها أكثر من أنفسهم فلماذا يفعلون ذلك إذا تركوا دينهم، ويفعلونه في بلادنا بعدما فعلوه على أكمل وجه في بلادهم، وهذه الضاحية التي أسكن فيها من ضواحي مكناس تسمى المنزه فيها كنيسة يدير شؤونها قسيس وهي مجهزة أحسن تجهيز قائمة بواجباتها، ولا يوجد في هذه الضاحية مسجد أصلا مع أن عدد المسلمين من سكانها أكثر من عدد النصارى، وهم يشتكون لبقائهم بلا مسجد، ونحن نهيئ عريضة نوجهها إلى وزارة الأوقاف المحترمة لعلها تتلافى هذا التفريط الشائن وتبني لنا مسجدا يرفع ويذكر فيه اسم الله. ولولا كراهية الخروج عن الموضوع والإسهاب في الاستطراد لذكرت من شواهد عناية الشعوب الأوربية المفصلة بدينها ما يمسخ الله به كل مطية من مطايا الاستعمار قردا أو خنزيرا. ولقد صدق الله العظيم فإنهم يجادلون في الله بغير علم ويتبعون كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير، هذا بعد عذاب الدنيا كما قال تعالى في سورة الرعد: (لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق)، ومن عذاب الحياة الدنيا الاستعمار الذي أذاقنا ولا يزال يذيقنا الأمرين بسبب تركنا الإسلام لا بسبب التمسك به كما تزعم مطايا الاستعمار، ولله الحجة البالغة ولكن أكثر الناس لا يعقلون.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨١٣