دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 .................... ص12
دراسات إسلامية: دواء الشاكين وقامع المشككين
للدكتور تقي الدين الهلالي
-9 -
غرائز الحيوان ودلائلها على فاطر السموات والأرض
قال المؤلف كريسي مورسن: إن تطور الإنسان قد بلغ في التقدم مرتبة عالية من الوجهة الطبيعية، ويظهر أنه لم يبق هنالك أمل في تطور جديد بالنسبة إلى تكون جسم الإنسان. أما تقدمه من الوجهة الصحية فمؤمل بسبب تحسن الغذاء وعجائب الطب والجراحة التي لا تزال في اطراد مستمر، وذلك يقتضي زيادة تحسن في عقله وتفكيره، وهناك - أمل على الأقل في أن يزداد الإنسان قوة في الذهن ليعرف نفسه ويعبر عما أودعه الله فيه من حكم وأسرار، وبذلك يرتقي الإنسان ويتقدم في الكمال من الوجهتين المادية والعقلية من حيث الفرد ومن حيث الجنس - إن المدنية والأخلاق تسيران تارة إلى الأمام، وتارة إلى الوراء، إلا أن هناك دائما ربحا في الجملة وتطورا ملحوظا في تقدم الإنسان، ولكن عليه أن يسير إلى الأمام مسافات أبعد، ومن حسن الحظ أنه لا يظهر أن هناك حدا لإمكان تطور جديد وتحسن في دماغ الإنسان بمرور الزمن الذي هو المؤثر الأساسي.
لقد وهب الله الطير غريزة الاهتداء إلى الرجوع إلى أوكارها، فالعصفور المعروف بالربين الذي يعشش في أبواب بيوتنا، يذهب عند انقضاء فصل الخريف إلى البلدان الجنوبية فرارا من البرد وطلبا للدفء، ولكنه يرجع في زمان الربيع إلى عشه القديم، وفي شهر أيلول - شتنبر- نرى أسراب الطير معظمها تطير إلى الجنوب، وأحيانا كثيرة تطير فوق البحر مسافة ألف ميل ولا تضل طريقها أبدا، والحمام الزاجل إذا حمل في قفص إلى مكان بعيد قد يتحير أحيانا بكثرة الأصوات الطارئة عليه في سفره البعيد، ولكنه يحوم هنيهة ثم يأخذ طريقه مستقيما تقريبا حتى يعود إلى وطنه، والنحلة لا تضل في عودتها إلى خليتها، ولا يصدها عن ذلك هبوب الرياح العواصف التي تحرك الأشجار وسائر النبات وتطمس أعلام طريقها، أما الإنسان فحاسة الاهتداء إلى العودة إلى وطنه ضعيفة فيه، ولكن الله وهبه عقلا استطاع به أن يصنع آلات الملاحة التي يهتدي بها في ظلمات البحر والجو فكان ذلك عوضا له عما فقده من تلك الغريزة التي منحها غيره، والحشرات الصغيرة لا بد أن تكون لها عيون، مكروسكوبية أي مجهرية، ولكن إلى أي حد تبلغ هذه العيون في كمال الأبصار؟ لا ندري، والنسور والبزاة لا بد أن تكون لها عيون مجهرية أيضا لم يهبها الله الإنسان.
وفي هذا أيضا فاق الإنسان الحيوان بأدواته الميكانيكية، فبتلسكوبه يستطيع أن يبصر سديما بلغ في الدقة إلى حد أن البصر يحتاج إلى أن يضاعف مليونين من المرات ليقدر على رؤيته، والإنسان بمكروسكوبه يستطيع أن يرى مكروبا لا يرى بالبصر المجرد، ويرى زيادة على ذلك مخلوقات صغيرة جدا سلطت على تلك المكروبات تعضها.
ولو تركت الفرس وحدها فإنها تسير في الطريق في أشد الليالي ظلمة، وتستطيع أن ترى ولو في شيء من الإبهام اختلاف درجات الحرارة في الطريق وجانبيه بعينين متأثرتين تأثرا خفيفا بالأشعة تحت الحمراء التي في الطريق، والبومة تستطيع أن ترى الفأرة الجميلة في نظرها حارة الجسم تجري على العشب البارد في أشد الليالي ظلمة، ونحن نقلب الليل نهارا بإحداث إشعاع في تلك المجموعة التي نسميها بالضوء.
وهل تعلم أن إنسان عينك يلقي صورة على الشبكية، وحينئذ تعمل العضلات عملها فترتب الإنسان بطريقة آلية وتوجهه إلى بؤرة متقنة الوضع، وتتألف الشبكية من تسع طبقات ينفصل بعضها عن بعض، ومجموعها لا يزيد في الغلظ على قرطاس رقيق جدا، والطبقة الأخيرة من الداخل تتألف من مادة تشبه الشعر أو الخيوط الرقيقة بعضها مخروطي الشكل، وعددها يبلغ ثلاثين مليونا من الخيوط غير المخروطية وثلاثة ملايين من المخروطية، وكلها قد