تلك رسالتها لم أذهل عن حرف واحد منها، فلقد قرأتها عشرات المرات. ولن أستطيع أن أصور لك وقع الصدمة في نفسي، لقد كانت عنيفة أفقدتني الرشد، وجعلت مني ذلك المحزون الذي فقد ثقته بكل شيء، وتحرك في نفسي ذلك المارد الذي لا يعرف طريقه إلى الخير .. انتقم لشرفك .. لرجولتك .. لكبريائك التي مرغتها في التراب .. وكتبت إليها يدفعني المارد الخفي: «انتظري الجزاء أيتها الخائنة اللعوب .. سوف أخنقك وأنت بين أحضانه .. سوف اخنقكما معا وأشرب نخب الانتقام لشرفي الجريح».
آه ساعدني على الجلوس مرة أخرى .. الله .. الله .. لقد قدر علي أن أنتشل من بين الأنقاض لأعاني كل هذا العذاب، لماذا لم أكن بين الذين استراحوا إلى الأبد؟ استراحوا من عبث الحياة، ألا تؤمن معي بأن الحياة عبث، وأننا في هذا العبث تافهون نفايات .. آه ليتني ما حييت.
- دعني أساعدك على الجلوس .. سوف تكون هكذا أفضل .. إنها الجراح تلتئم وسوف تغادر المستشفى في أتم صحة، وسوف يحتفي بك الربيع وتستقبلك الخطاطيف .. فاستعد يا صاحبي لتملأ رئتيك من هواء الربيع ولتستنشق أريج الأزاهير .. إن الحياة جميلة، ويجب ألا نقلق إذا ما عاكستنا ذات يوم علينا أن نقبلها على علاتها وحينئذ سندرك أننا سعداء.
- ذكرتني بخطاطيف «أرسطبيس» لقد كنت أؤمن بذلك في زمن مضى .. لا علينا ناولني سيجارة وسأتم لك قصتي .. وحلت العطلة فعدت من أكادير إلى مسقط رأسي بمكناس لأنتقم، وهناك عرفت كل شيء، وأدركت حقيقة مرة، أدركت أنني لن يكون بوسعي أن أخنقها وصاحبها .. أدركت أنني عاجز عن ذلك وأنني مشفق عليها وإن كنت خانقا على صاحبها .. وتحدتني عندما زرتها بالمستشفى، فقالت: أراك لم تقدم بعد على تنفيذ تهديدك، فأنت لم تخنقني بعد ألا تراه يضاجعني؟ ماذا تنتظر لتخنقه وقد صممت العزم على ذلك من قبل؟ أرأيت أنك لا تستطيع، لقد عجز جميع نطاسيي الدنيا عن خنقه وانتشالي من بين أحضانه .. ها أنت ترى أنامل متقلصة .. متشنجة .. إنك أمام عزيزة الكسيحة إحدى ضحايا الداء الذي اخترعناه بأنفسنا وعجزنا وعجز معنا أطباء الأرض عن علاجه .. هكذا أنا كما ترى ضجيعة الحزن وقد أمتلك مني كل شيء، وانتزع منك كل شيء، ومع ذلك أريد منك أن تسعدن وسوف أسعد بسعادتك.
- إذا فأنت تجردينني من كل عاطفة إنسانية فضلا عن حبي إياك .. تصمينني بالأنانية والنرجسية.
- إننا نغالط أنفسنا عندما ننكر أن فينا شيئا -قل أو أكثر- من الأنانية والنرجسية، أن أحدنا عندما يحب إنما يرضي أنانيته ونرجسيته، لماذا ثرت إذن عندما كتبت إليك بأنني بين أحضان غيرك وقررت أن تخنقني وضجيعي؟ أليس ذلك أنني طعنت أنانيتك ونرجسيتك؟ .. لقد ذوى عودي وأنا في العنفوان، فلم أعد عزيزة الجميلة التي فتنك جمالها ذات يوم، ولا تلك الرشيقة التي كانت تستطيع أن تجاريك في خطواتك السريعة عندما تؤذن صفارة حارس الحديقة بإغلاق الأبواب وتخف لتلقي بعض الدروس المسائية، ولا عزيزة التي قطفت بأناملها ذات مساء وردتين في عرش واحد، ولا تلك التي كان يحلو لها أن تمر بأناملها على شعرك الأملس الفاحم إنها لن تقوى على فعل كل ذلك الآن .. لأن تلك الأنامل .. تقلصت .. تشنجت .. عقدتها أنامل الغش والتزييف .. وقيل عنا مزيفون غشاشون .. نهمون .. وأصبحنا ميدانا لتجربة العبقرية الأوربية وقد اكتشفنا لها ميدانا للتجربة ..
- ثقي ياعزيزة أنني سأكون ذلك المخلص الذي لا تغيره الأيام .. سأبقى وفيا لحبك رغم كل ما حدث.
قلت لها ذلك وأنا أودعها عندما أعلنت إحدى الممرضات انتهاء وقت الزيادة، هكذا انهارت آمالي العذبة .. وأصبحت إنسانا بلا أمل .. وحينئذ فقط آمنت بعبث الحياة وقسوتها .. أنها مدمرة .. صاعقة تسحق كل من تجد في طريقها، إنها لا ترحم، وليتنا جميعا أدركنا هذه الحقيقة لكي نوفر على بعضنا المآسي التي يسببها فريق منا للبعض الآخر، ولكننا تعينها علينا، فهي تدمر من جهة ونحن ندمر من جهات وفي كلتا الحالتين نحن الضحايا أليس كذلك يا عباس؟.