تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- هذا صحيح ومع ذلك فتغيير الحياة مستحيل قد يستطيع الإنسان أن يخفف عنه من أعبائها، ولكنه لن يقوى أبدا على تركها بدون مصاعب، أما نحن فيسعنا أن نغير أنفسنا، أن نوفر عليها كيد بعضنا للبعض الآخر .. علينا فقط أن يمارس أحدنا حريته في نطاقها المحدود وسوف تنتهي المشكلة عندما ندرك هذه الحقيقة، وتصير عادة راسخة فينا، وطالما لم ننضج إلى هذا الحد فسوف لا يجدي الجزاء، ستحكم المحكمة على بعض مخترعي الداء -بتعبير عزيزة- بالإعدام وآخرين بالأشغال الشاقة، فهل تعتقد أن هذه الأحكام -إن وقع تنفيذها - ستضع حدا للمشكلة .. مشكلة إلحاق الأذى بالآخرين؟ إنني أشك في ذلك كثيرا، لأننا هنا لم نستطع بعد أن نربي أنفسنا على ممارستنا حرياتنا في نطاقها المحدود.

ابنتي زينب، ولدي سعيد، أريد أن أراهما .. دعوني أبحث عنهما ولامت بعد ذلك.

- اطمئن بالا، سوف تراهما، وسيزورانك صحبة أمهم، لا تتحرك من مكانك، إن ذلك يؤذيك كثيرا، خذ هذه القرص وتم لتستريح.

- هو هكذا لا يكاد يفيق من غشيته حتى يبحث عن ابنته زينب وولده سعيد.

- وكذلك الآلاف غيره رجالا ونساء، لقد كانت نكبة حقا وما أسعد أمثالك من الذين قدر لهم البقاء.

- بل ما أشقاهم، لقد استراح أولئك من عبء الحياة إلى الأبد، أما نحن فيبدو أننا ندفع ثمن راحتهم ببقائنا، خذ لك مثلا أغنياء أصبحوا فقراء وأصحاء غدوا معطوبين، وأبناء مدللين صاروا بين عشية وضحاها يتامى.

- ومع ذلك فسوف يشقون طريقهم إلى الحياة، وسوف يسعدون بلحظات سعيدة ينسون معها أنهم نكبوا ذات يوم، كل واحد منا لا شك أن فقد أثيرا إلى قلبه. فكانت الصدمة عنيفة في نفسه، وخيل إليه أن الفرح سوف لا يعرف من يومها سبيلا إليه، ولم تمض أيام حتى ألفى نفسه يضحك بملء فيه مع الضاحكين كان شيئا لم يحدث وكان الأمر على ما يرام.

- تلك حقيقة مرة يبدو أن الدنيا في غنى عن أي واحد منا مهما يكن شأنه فيها، فالشمس والقمر لا يغيران شيئا من نظامها، وكل شيء يسير كالمعتاد.

- وماذا يضيرنا من ذلك؟ علينا أن نمارس حياتنا بما فيها من ألوان، فإذا انتهينا فليكن ما يكون ...

- هذا صحيح .. لكن .. ماذا كنت أريد أن أقول .. نعم أرجوك أن تكتب ما أمليه عليك، فهي لم تعلم بعد فيما إذا كنت نجوت من الزلزال.

- أرجو ألا يكون فيما ستميله شيء من التشاؤم، فهي بحاجة إلى ما يخفف عنها وقع الصدمة.

- سأحاول ذلك اكتب ... «عزيزتي لقد وحد الحب قلبينا وها هو الألم يوحدهما مرة أخرى، لقد وقعت ومعك عشرة آلاف ضحية فقدان الأمانة وطغيان الزيف ووقعت مع عدد أضخم ضحية قدر خفي، وأيا كان مصدر ألمنا فقد أصبحنا ومعنا غيرنا كثير في عداد المعطوبين، فهل يخفف من ألمنا أننا لسنا وحدنا في النكبة؟ وهل يقوى الأمل في نفوسنا أن يصلح الإنسان ما أفسد الإنسان، وإن يبسم القدر بعد أن عبس؟ إنني لم أفقد الأمل بعد، وعباس الممرض الذي يسهر علينا بالليل وبخطه تقرئين هذه الرسالة يزيد من تقوية هذا الأمل في نفسي، سنلتقي يا عزيزتي ونحن على أتم صحة، وسنحقق أملنا العذب بعد أن نكون قد انتصرنا على زيف الإنسان وثورة الطبيعة. أنا بمستشفى ابن سينا بالرباط فكاتبيني، وإلى اللقاء على مشرق الأمل الباسم».

«حبيبك الدائم حسين»

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧٨٩