تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الجبناء، والأجواد من البخلاء، والكسالى من النشيطين، والخونة من المخلصين) «بنصه من خطه»

لقد استكثر بعض الناس ثمانية أسفار في تاريخ مدينة متوسطة لم يصل عمرها إلى خمسمائة سنة تنادر مجان بلهو الحديث فيما يمكن أن يقول في هذه الأسفار. وتناظر ناس آخرون بقول فيه شك وفيه يقين، وفيه ما هو حق وما هو باطل، وأنا لا أحب أن أدخل -مع القوم- في مناقشة أقوال المستكثرين المتنادرين والمتناظرين، لأن هذا الكتاب هو الذي يبكم أفواه المرتابين بالحجج اليقينية، وهو الذي يرسم ابتسامة الرضى على شفاه المنصفين.

نعم، أحب أن أقرر حقيقة ثابتة ثبوت القطب في مركزه، وواضحة وضوح الألوان تحت ضوء النهار هي أن تطوان مدينة لم تتدرج كغيرها من المدن الناشئة من مدشر إلى قرية، ومن قرية إلى مدينة، إنما هي مدينة ولدت كاملة، فمن أول يوم جدد فيه ... الأخير كانت مركزا للحضارة الأندلسية ومهدا ... في المهذب، لأن المؤسسين أو بالمعنى الصحيح المجددين كانوا من أرقى البشر الموجودين في ذلك المصر، إذ من المعلوم والمعروف أن «كورة» غرناطة شرق الأندلس كانت قد جمعت -يومئذ- خلاصة خلاصات من العلماء والفقهاء، والأطباء والصناع والمفتنين، والفلاحين والمهندسين، والأبطال من رجال الفكر وأهل النجدة، الذين جاءوا إليها من كل بقعة خانها الحظ ووقعت تحت سيطرة الإسبان. حتى أصبح بها خيرة ورثة عظمة قرطبة ... ، وفنون إشبيلية العبادية فكان نور المعرفة يشع من مدارسها بألوانه وجلاله، وجمال الفردوس ... في رياضها بشذا عطره وروعة ظلاله.

فلما اختل الأمر بين أمراء الحمراء الزاهرة، ظهرت الخيانة والتكالب على الحكم بين أصحاب ... الغادرة، واتحدت النصرانية ضد الإسلام بزواج ملك راغون بملكة قشتالة، ولعب القوم بمستقبل الأمة واستهانوا بحقوق الشعب، بدأ المؤمنون الذين ينظرون بنور الله، يهاجرون بالدين والعرض والولد والمال والعلم والفن إلى عدوة المغرب

هاجروا ثم استقروا بسيف البحر بين مصب نهر «مجكصة» ونهر «هليلة» واستأذنوا فأذن لهم، ... المدينة في سفح «درسة» محافظين على اسمها القديم «تطاون».

ولم يتم التسوير والتبريج، والخندقة والتحصين حتى أوفد إليهم سلطان المغرب محمد الشيخ الوطاسي جماعة من أهل فاس ليعمروا معهم المدينة الجديدة.

وكانت فاس يومئذ - وكما هي دائما- موطن العلم والمال، والصناعة والفن، والنبوغ والعبقرية، والفكر والدقة، تمد المغرب وغير المغرب بفيض مما رزقها الله من الخير، فجاء الفوج الأول من الفاسيين ليشارك في التأسيس، وليكون على بصيرة من أمر المهاجرين الأندلسيين.

وتأسست تطاون فكانت بنت غرناطة وفاس، وهما - يومئذ- عاصمتا المغرب والأندلس اللتان انحصرت فيهما حضارة القرن التاسع الهجري، بما فيها من متانة ودقة، ولطافة ورقة.

وتكاتب أهل الأندلس مع بعضهم وتراسلوا، فوفدت على تطاون الوفود وقصدها القصاد، وأصبحت مهجرا لأرقى مدينة عرفها التاريخ. ومعقلا لأبطال الجهاد، وحصنا من حصون الإسلام، صمدت في وجه الإسبان والبرتغال والإنجليز الذين عاثوا في شواطئ المغرب من شمال وغرب، تصد الغارة، وتبيد الهاجمين، وتجيش الجنود في البر والبحر للغزو والدفاع والتطهير، ورفع اسم المغرب عاليا بين الدول، ولم يستطع شرلكان وخلفاء شرلكان - وهم الذين غزوا شواطئ إفريقية وغير إفريقية - أن يحدثوا أنفسهم بالقرب من شواطئها، وهي أقرب إليهم من تونس ووهران، لما عرف به أهلها من شدة الشكيمة والاستبسال في الدفاع عن الكيان، وإتقان فنون الحرب والجهاد، وظلت كذلك أربعة قرون ونبع نهضتها لا ينضب، وبوارق نجدتها لا تخبو، فهي التي فتحت طنجة وطردت منها الإنجليز، وهي التي حمت شواطئ مرتيل من دنس الاحتلال، وهي التي حصرت البرتغال ثم الإسبان في صخرة سبتة، وهي التي أخرجت الأبطال المجاهدين كآل النقسيس وأضرابهم.

هذا إلى تقعيد مبادئ المدينة، وتأصيل معالم الترقي من حسن التنسيق في المفروش والملبوس، وكثرة التنويع في المطبوخ والمشروب، ورقة التفنن في المنقوش والمخروز مع سلامة الذوق في العرض والدقة في الترتيب .. إلى المحافظة على الموسيقى الأندلسية التي أتى بها مؤسسوها الأولون معهم من غرناطة ورندة وفاس .. فإذا أضفنا إلى هذا كله ما كان لها من العلاقات السياسية والاقتصادية والفنية مع الجزائر، نجد أنها كانت همزة وصل الحضارات، بل أنها كانت بوتقة تنصهر فيها الحضارات المختلفة، وتنصبغ باللون المحلي الأندلسي الفاسي ولكن في صورة تطوانية بحتة، وذوق تطواني صميم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧٦٧