دعوة الحق، س.4، ع1 /أكبوبر 1960 .................... ص 64
الجزائر في طريق الاستقلال: المأساة الجزائرية أمام الضمير العالمي
للأستاذ: أحمد مراد
لا يسع المرء إلا أن يأخذ منه العجب مأخذه، ويتألم من أعماق ضميره، ويكاد يكفر بهذه الديمقراطية المزيفة، التي طالما لهجت بذكرها الألسن، وتغنت بمحاسنها الشفاه، بعد أن يمعن التفكير في استمرار هذه المأسادة، ويرى كيف تشخص أدوارها على مسرح الإنسانية المعذبة. وتقوم بدور البطولة فيها إحدى الدول الكبار، التي ما فتئت تتبجح بوضعها لحقوق الإنسان، وأنها ما بعثت إلى هذا العالم إلا لتكون رسولة الحرية والتمدين ... ومع ذلك فهي ما انفكت تقترف أفظع ما عرفته البشرية من غرائب الإجرام ضد الإنسانية في أرض الجزائر، وتمارس هذا العمل المزري لمدة ستة أعوام أمام الضمير العالمي، وعلى مرأى ومسمع من الهيئة الأممية، دون أن تستطيع هذه وضع حد لهذا المنكر ...
أجل، لقد وضعت المأساة الجزائرية من جديد أمام الضمير العالمي الممثل في تلك الوفود الدولية المجتمعة في هيئة الأمم المتحدة، وقد استمعت أو ستستمع تلك الوفود وشعوب العالم كله إلى بيانات وافية، وتفاصيل كثيرة، حول استمرار تلك المأساة البشعة، التي يقوم بتشخيصها على مسرح أرض الجزائر الاستعمار الفرنسي وأعوانه وحلفاؤه في الدول الغربية، والحلف الأطلسي منذ ست من السنين.
ولعل الضمير العالمي سيستفيق هذه المرة من سباته العميق، ويجلو عن عينه التي حالت بينه وبين رؤية الحقيقة الناصعة، وسماع الصرخة المدوية بعدالة قضية الشعب الجزائري، الذي صمد في النضال البطولي من أجل استرجاع حريته واستقلاله طيلة هذه المدة المديدة.
إن الضمير العالمي قد عرف وسيعرف الكثير من فظائع الاستعمار الفرنسي حاضرا ومستقبلا. ولعله يحاول اليوم أكثر من الأمس أن يفهم المشكلة الجزائرية على حقيقتها، كما تبدو من خلال الصراع الذي يدور بين فئة قليلة مؤمنة بقداسة جهادها في سبيل الحق والواجب، ولحماية القيم والمثل التي ظلت وستظل موضع الإجلال والاحترام لدى الإنسان المدرك العاقل، وبين فئة كثيرة باغية، تنكرت لكل المعاني والقيم الإنسانية. فالمعركة - إذن- تدور رحاها بين الحق والباطل، وبين العدالة والبغي، وبين الديمقراطية الصرفة والاستبداد الذي يريد أن يخمد أنفاس شعب عريق في ماضيه، متطلع إلى استرجاع عزته وكرامته.
وسيقوم نواب أحرار يمثلون شعوبا حرة بشرح وجهة نظر هذا الشعب وحكومته الفتية، تلك الوجهة المتمشية مع مقتضيات العدالة والإنصاف، ومبادئ الأمم المتحدة التي تخول لكل شعب أن يقرر مصيره بنفسه دون إجبار أو إكراه، كما فعل أولئك النواب في اجتماعات الهيئة الأممية في الأعوام الفائتة. ولا يشك أحد في أن الوفود الدولية في هيئة الأمم المتحدة قد أحاطت علما هي وشعوبها بما يعانيه الشعب الجزائري الأبي من ضروب النكبات والمآسي والأحزان، وما