دعوة الحق، س.4، ع1 /أكتوبر 1960 .................... ص 62
اقرأ هذا الكتاب: "تاريخ تطوان"
للأستاذ محمد داود
صدر الجزء الأول من تاريخ تطوان الحافل للأستاذ الجليل السيد محمد داود، وقد قدمه للجمهور زميلان ورفيقان للمؤلف في الدراسة العلمية هما الأستاذان المؤرخان الحاج محمد بن العربي بنونة وشيخ المعهد العالي بتطوان التهامي الوزاني.
ومجلة - دعوة الحق- تقدم مقتطفات من مقدمة الحاج محمد بنونة للتعريف بهذا الكتاب القيم حيث قد تضمنت جملة من كلام المؤلف تبين مذهبه في كتابة التاريخ. والكتاب قيم وجدير بكل اهتمام وما تقديمه بهذه المقتطفات إلا ترغيب لاقتنائه ودراسة ما فيه من طرائف عن الحياة الاجتماعية بكل ألوانها لجزء هام من بلادنا العزيزة.
هذا الكتاب هو في الواقع صور لألوان الحياة بمدينة تطوان هو صور لشخوص حية تتحرك في الحياة التطوانية من رجال ونساء يصنعون أحداث التاريخ، فالبيوت والشوارع، والمدارس والمحاكم، تزخر بشتى الألوان من الحيوية المثيرة التي ترسل الدماء حارة في الشرايين، إلى الألوان الهادئة التي تبعث الاطمئنان إلى القلب. صور تجعل القارئ يعيش فترة من الزمان مع الذين سبقوه لرؤية النور، فيتوقع معهم الحوادث المفاجئة، ويترقب مثلهم نتائج المقدمات المعقولة، لأن المدينة في جهاد دائم، وصراع مستمر، على لقمة العيش، ومتعة النفس، وإدراك العلى، ورغبة السكان ورهبتهم هما اللتان تصنعان حياة الإنسان في الكوخ والقصر وفي المصنع والحقل، وفي السوق والمتجر، وكل ذلك في المدينة وفي سكانها، ففيها الصالح القوي، والجيد النبيل، والكريم الرضي، وفيها المشبوه في السلوك، والمدمن للاثم، والجبار في الليل من حثالة المجتمع، وصعاليك الأسواق، وضعفاء الأخلاق. وهذا الكتاب ينقل للقارئ الكريم هذه اللوحات واضحة الظلال، ناصعة الألوان بما فيها من الخير والشر، والقبح والجمال، لا يتعمل ولا يتزيد.
ولقد يكون أخونا المؤلف أشار في مقدمته إلى ما أوردنا هنا بقوله: (لقد كتبت ما كتبت، وجمعت ما جمعت، وعلقت بما رأيت، بناء على مذهبي في كتاب التاريخ العام. ذلك المذهب الذي يرى أن يثبت المؤرخ المعلومات ويصور الحوادث كما هي أو كما يراها دون تزوير أو تضليل. ثم لكل قارئ أن يستفيد ويستنبط على حسب ذوقه ومذهبه واستعداده. وإذا كان للمؤرخ الحق في أن يعلق بما شاء كما يشاء، فإن للقارئ -أيضا- أن يقبل أو يرفض، والحق حق دائما أحب من أحب، وكره من كره، والباطل لا يخفى ولو موهه صاحبه تمويها، إن الأمة تختلف طبقاتها كما تختلف صور أفرادها، وإذا كان المصور الماهر هو الذي يرسم الصورة رسما مطابقا للأصل فإن المؤرخ الحقيقي «الذي لا يكتب للدعاية ولا يتأثر برغبة أو رهبة» هو الذي يسجل ما يقف عليه من المعلومات غثها وسمينها، كلياتها وجزئياتها، فيكتب من الأقوال ما يدل على الذكاء وسعة الصدر وحسن التدبير، وما يدل على الغباوة والجهل وفساد الرأي وسوء التقدير، ويسجل من الأخبار ما يعرف منه الجهال من العلماء، والضعفاء من الأقوياء، والأبطال