سمعتم وستسمعون الكثير في هذا المهرجان الفكري الرائع عن تاريخ القرويين. وأنتم تعلمون أن هاهنا في القرويين، خزانة التراث المغربي العربي الإسلامي. وأن من هنا، أبدا من هنا، كانت الانطلاقات الفعالة في هذه الرقعة الخيرة من تراب العرب. ولكني لن أتحدث عن كل ذلك، لأني، منذ البدء، وضعت الأمر على الصعيد الأوسع، على صعيد الإنسانية.
وإذا كان المغرب كدولة لا يزال بحاجة إلى روح القرويين، تذكي في صدور الشباب شعلة الحماس للحياة الحرة الواعية، فإن العالم قد أصبح بحاجة ماسة إلى روح جديدة لا تسطيع بثها واذكاءها والحفاظ عليها إلا القرويين ومثيلات القرويين.
في هذا الصراع الشامل بين الروح والمادة، الذي يهدد العالم بالدمار، موكول إلى القرويين وإلى مثيلاتها حيث كانت، أن تنتصر للروح انتصارا غلابا.
والنصر الحقيقي في الحرب ليس العمل الماحق ولا الذي يفضي إلى تسليط سيد على مسود. كل حرب تنتهي إلى مثل هذه النتيجة تزرع، في حياض السلم، بذور حرب جديدة.
النصر الحقيقي توصل إلى تفاهم دائم، يقوم على طبيعة الأشياء، لا على حكم الغرائز البشرية.
النصر الحقيقي الذي ننشده، في الصراع بين الروح والمادة، تفاهم بمعنى الكلمة اللغوي: أن يفهم كل منهما الآخر، فيتعايشا متعاونين، تعاونا تكون المادة فيه وسيلة لانتعاش الروح، وتكون الروح فيه حافزا لازدهار المادة.
النصر الحقيقي هو أن نرفع البشرية إلى شرفة الإنسانية، وعند ذلك تتسع الأرض للعالمين جميعا، ولا تبقى حاجة إلى غزو السماء!
ولتتمكن القرويين، ومثيلات القرويين في العالم، من أداء الرسالة الفضلى، لا بد من إعادة النظر في بعض القيم، في مفهوم بعض القيم:
يجب أن يفهم الدين أن العلم ليس كفرا ويجب أن يفهم العلم أن الدين ليس خرافة
وهذا لا يتسم إلا إذا «تعلم» الدين و «تدين» العلم.
ولست أقصد من ذلك ما قصده الفلاسفة العرب، وعلى أثرهم فلاسفة الفرنجة وفلاسفة الكنيسة بشكل خاص، من التوفيق بين الدين والعلم على الصعيد العقائدي الفلسفي الماورائي ... لست أقصد حل معضلة المعضلات.
وإنما أقصد أمرا بسيطا: أن نفهم الحياة، وأن نؤمن بالحياة.
ومن فهم الحياة «آمن» بالعلم
ومن آمن بالحياة «علم» أن الإنسان أخو الإنسان، وأن الحياة تكون إنسانية بقدر ما يكون فيها من الإيثار وعمل الخير.
موكول إلى القرويين وإلى مثيلاتها في جميع أنحاء العالم -إلى أي دين انتمت- أن تذكي في المرء روح الإنسانية، بإفهامه الحياة، أي العلم الحديث، ومعنى الحياة، أي فلسفة وجود الإنسان أخا للإنسان.
لقد أدت القرويين، في مراحل حياتها الطويلة المشرقة، رسالتها الوطنية بشكل رائع. واليوم يرجى لها أن تساهم في أداء رسالة إنسانية شاملة.
فاطمة القيروانية كانت أول من زكى ماله الزكاة المثلى ... والزكاة لغة ودينا إنماء للمال وتطهير. ولقد نما مال فاطمة خلال العصور وتطهر، فأفاء على المغرب علما وحكمة وإيمانا.
واليوم يطلب إلى القرويين، في هذه العاصفة الهوجاء التي تجتاح العالم، أن تكون إحدى خشبات النجاة.
والأمل بالله، والأمل بالقرويين، والأمل بحكومة صاحب الجلالة ألا تنطفيء جذوة الروح التي ألهبت، منذ ألف عام ومائة عام، صدر فاطمة القيروانية!
العمر كله يا جامعة القرويين، وإلى الأمام!