دعوة الحق، س.4، ع1 /أكتوبر 1960 .................... ص 51
خشبة النجاة
لسعادة سليم حيدر
يجب أن يفهم الدين أن العلم ليس كفرا
ويجب أن يفهم العلم أن الدين ليس خرافة
في عالم السياسة معسكران جباران يتقابلان. ومعسكر ثالث - يتطاول ظله يوما بعد يوم - يحاول أن يجد لنفسه بينهما مدى حيويا ليثبت وجوده. هذه المعسكرات الثلاث تشكل البشرية بوجه عام: البشرية التي تقتتل طمعا بالسيطرة على المادة.
وفي عالم القيم، جماعات هنا وهناك، في المعسكرات الثلاثة. جماعات قليلة العدد، قوية التأثير، تؤلف، من شتات البشرية الجائحة، معسكر الإنسانية.
وإذا كان الصراع شديدا، في عالم السياسة، بين المعسكرين الجبارين، حتى أنه جاوز حدود الأرض إلى متاهات الفضاء ...
وإذا كان أهل المادة يقتتلون على المادة ويوشكون بذلك أن يمحقوا الأرض ومن عليها ...
فإن الصراع الحقيقي، الصراع العميق، الصراع الكياني هو في عالم القيم، بين أهل الروح وأهل المادة، بين معسكر الإنسانية ومعسكر البشرية.
الصراع الأول، الاقتتال على المادة، يضع العالم اليوم في مهب عاصفة الفناء.
والصراع الثاني، مجابهة الروح للمادة، هو خشبة النجاة في مضرب الأنواء الثائرة.
ويحق لها، أكثر من أي زمان مضى، أن نقول مع شكسبير، بشيء من التوسع، أن القضية الكبرى، القضية الأساسية هي قضية الكينونة: أن يكون الإنسان أو لا يكون!
فاطمة القيروانية، تلك التي وهبت للروح، بسماحة نفس وصفاء إيمان، نصيبا مهما من إرثها، فبنت -منذ ألف عام ومائة عام - في عدوة القيروانيين، التصميم الأول لجامع القرويين ... تلك كانت أول من زكى ماله الزكاة المثلى.
من لفظة القيروانيين - تخفيفا وتليينا- نشأت لفظة القرويين، جبارة منذ نشأتها، متمردة على صيغ الإعراب، متشبثة بالياء والنون حالا واحدة، إيذانا بأنها ستكون هي المحافظة على القيم الحقيقية، لا تأخذها، على بريق العصور، بروق التحول الخلب!
ولقد خلبت بروق في سماء القرويين وقصفت رعود. من الأدارسة، إلى الزناتيين، إلى المرابطين، إلى الموحدين، إلى المرينيين، إلى الوطاسيين، إلى السعديين، إلى العلويين، فضلا عن مؤامرات المطامع الأوروبية ... عهود لم تكن كلها صفاء. ولكن روح القرويين - مغمدة حينا، مسلولة أحيانا - بقيت صافية خالصة، يتألق فيها العطاء، خلال تهجم الأيام، كما يتألق السيف الصقيل في دبيب الفرند!
نحن اليوم، في هذه الذكرى المجيدة، أمام تاريخ جهاد حافل: جهاد ديني، جهاد فكري، جهاد ثقافي، جهاد اجتماعي، جهاد سياسي ... وفوق كل شيء، وقبل كل شيء، جهاد روحي! وإذا كنت أفرق بين الدين والروح، فلأن الروح، بالمعنى الإنساني، طليقة من قيود الدين، بالمعنى الاجتماعي. وشعلة الروح هي الشعلة التي ما خبا نوردها يوما في القرويين، في ميادين جهادها المختلفة.