تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففي مدينة فاس جمع الشيخ أبو الحسن العلم من أطرافه، وورث روحانية أشاعها في جنبات المغرب شيوخ أجلاء: أبو مدين، وأبو يعزي يلنور، وأبو عبد الله بن حرازم وعبد السلام بن مشيش.

وفي الإسكندرية نشر الشيخ أبو الحسن هذا العلم كله وأشاع هذه الروحانية وتخرج على يديه طبقات من العلماء والزاهدين وتكونت في المدينة مدرسة دينية صوفية تمتاز بطابع خاص، بدأت بتلميذه أبي العباس المرسي، ثم خلف من بعد أبي العباس تلاميذ كثر، نذكر من بينهم ياقوت العرشي والأباصيري - صاحب البردة -، وابن عطاء الله السكندري.

ولابن عطاء الله فضل كبير على الطريقة الشاذلية، فهو الذي ترجم لأستاذه أبي العباس المرسي ولأستاذ أستاذه مؤسس الطريقة أبي الحسن الشاذلي وهو الذي سجل عنهما معظم مبادئهما وأقوالهما في كتابه المشهور «لطائف المنن في مناقب أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن».

وأشهر كتبه جميعا كتاب «الحكم»، وبلغ ابن عطاء الله بأسلوبه في الحكم الذروة القصوى من الإبداع والتركيز والتحليل وشرح آداب الطريقة، فأن له فيها مهجها خاصا، لهذا فهو لا يعني بالمعنى وحده ولا بالأسلوب وحده بل هو يعتقد أن للبيان سحرا خاصا، لهذا كان يتخير الألفاظ ذات الجرس الخاص والنغم الموسيقي المؤثر، ومن هنا كان لأسلوبه سحر يؤثر في قارئي الحكم وسامعيه، ولهذا ظل كتاب الحكم يقرأ قرونا طويلة في الجامعتين الإسلاميتين العريقتين: الجامعة الأزهرية وجامعة القرويين وقد انتشر كتابان من كتب تلميذين من تلاميذ أبي العباس المرسي في المغرب ما لم ينتشر أي كتاب ديني أخر، وشرحهما الكثيرون من الشراح المغاربة من شيوخ القرويين وتلاميذها، ذلكما هما كتاب الحكم لابن عطاء الله السكندري وقصيدة البردة للأباصيري السكندري

أيها السادة

هذه لمحة خاطفة أردت بها أن أضرب المثل، ولا يتسع المقام للإفاضة، فالحديث طويل والعلاقات الثقافية بين المغرب والإسكندرية تحتاج إلى سفر متعدد المجلدات، وعندما جثم العدو الغاشم على هذه البلاد أبان عهد الحماية انقطعت هذه العلاقات أو كادت، ثم توجت جهود الملك المجاهد محمد الخامس وشعبه الكريم بالنجاح، وأشرقت على البلاد شمس الاستقلال والعزة، وعادت أواصر الأخوة أقوى مما كانت، وافتتحت الجامعة المغربية الحديثة، ووجهت النداء إلى المشرق تطلب أساتذة يتعاونون مع إخوانهم المغاربة على النهوض بهذه الجامعة الفتية فكانت جامعة الإسكندرية أول جامعة لبت النداء، وكان أول أستاذ انتدبت من المشرق للعمل في جامعة الرباط هو الزميل الدكتور مختار العبادي مدرس التاريخ الإسلامي بجامعة الإسكندرية، ثم أكرمتني دولتي، فاختارتني -وكنت أشتغل من قبل كرسي التاريخ الإسلامي بجامعة الإسكندرية - لأكون مستشارا ثقافيا بسفارة الجمهورية العربية المتحدة، ومهمة المستشار الثقافي الكبرى هي العمل على توثيق العلاقات الثقافية بين البلدين، فالله أسأل أن يوفقني لتحقيق هذا الهدف السامي حتى تعود العلاقات الثقافية العربية الإسلامية بين المغرب والجمهورية العربية المتحدة مزدهرة قوية كما كانت بل وأكثر ازدهارا وأعز قوة مما كانت والله ولي التوفيق.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧٥٤