ومنهم أبو الوليد يوسف بن المفضل القبذاني، ولم يقنع بالأخذ عن السلفي بل سأله أن يكتب بإجازة لسلطان المغرب في ذلك الوقت تاشفين بن علي بن يوسف بن يوسف بن تاشفين، فكتبها له.
وأخذ عنه من علماء بلنسية بالأندلس أبو الحسن طارق بن موسى بن يعيش البلنسي، قال السلفي في ترجمته: «كان من أهل الصلاح، وقد أقام بالإسكندرية مدة مديدة، وسمع على جماعة من شيوخها بقراءتي وبقراءة غيري، وكتب عني كثيرا تم رجع إلى الأندلس وروى به ما سمعه علي وعلى غيري».
وفي رحبات جامع القرويين، وفي ربى مدينة فاس الخضر وفي كهوف جبالها كان يتنقل ويعيش في أواخر القرن السادس الهجري الصوفي الكبير الشيخ أبو يعزي يلنور، وكان الناس يفدون إليه من جميع أنحاء المغرب والأندلس، يأخذون عنه، ويستمعون إليه، ويلتمسون عنده البركات، وفي مقدمة من وفد عليه القطب الغوث أبو مدين التلمساني فعاش معه سنين يقتبس من طريقته بالإقبال كل الإقبال على الصوم والزهد والصلاة والتقشف والعبادة، حتى إذا قيس قبة من روح أستاذه أبي يعزي رحل إلى المشرق ليقبس قبسات أخريات من شيوخ المتصوفة هناك، ومن سيدي عبد القادر الجيلاني قطب العراق بوجه خاص، وعاد أبو مدين إلى المغرب فأقام في بجاية، وفاقت شهرته شهرة أستاذه أبي يعزي، ولقبه القوم هناك بالغوث، وتتلمذ عليه العشرات من كبار العلماء، وفي مقدمتهم الفيلسوف المتصوف الكبير محي الدين بن عربي والشيخ أبو عبد الله محمد بن حرازم، أحد شيوخ أبي الحسن الشاذلي.
وقد ولد أبو الحسن الشاذلي في أواخر القرن السادس الهجري في سنة 593هـ في قرية غمارة بالقرب من مدينة سبتة بالمغرب الأقصى، وينتمي إلى قبيلة عموان إحدى قبائل المغرب، وإليها ينتمي كذلك ولي الله سيدي عبد الرحيم القناري، قطب مدينة قنا بصعيد مصر.
وقد بدأ أبو الحسن الشاذلي فتلقى الطريقة على يد شيخه وأستاذه أبي عبد الله محمد بن حرازم أحد تلامذة أبي مدين، ولبس على يده خرقة التصوف.
وانتقل أبو الحسين إلى تونس فدرس بها مدة ثم دخل مدينة الإسكندرية وطوف في بلدان الشرق العربي، وكان أثناء تقلبه في هذه البلدان المشرقية لا يسعى لطلب العلم وحده، ولكنه كان يبحث عن ضالته المنشودة، يبحث عن القطب الغوث، فلما اطمأنت نفسه في العراق إلى شيخه أبي الفتح الواسطي، شيخ الطريقة الرفاعية -فاتحه بدخيلة نفسه وحدثه عن أمنيته، ولكن الشيخ أبا الفتح أخبره أن القطب في وطنه الأصلي، في المغرب، فإن كان يبحث عنه حقيقة فليعد إلى المغرب، واستمع أبو الحسن إلى نصيحة شيخه وعاد إلى المغرب، وظل يوالي الرحلة والبحث إلى أن التقى بالقطب، إلى أن التقى بشيخه وأستاذه الأكبر الذي أخذ عنه الطريق وليس على يديه خرقة التصوف، والذي ظل ينتسب إليه، وهو الشيخ عبد السلام بن مشيش. وأقبل الشاذلي - على العبادة، فطهر نفسه من حب الدنيا ومن الإقبال على الخلق، وأقبل على حب الله وفنى في حبه، فلما صفت نفسه وأصبح أهلا للولاية ووراثة القطبانية أمره أستاذه ابن مشيش أن يرحل عن فاس إلى تونس ثم إلى الشرق، وتنبأ له بما سيحدث له في مستقبل أيامه، فقال له: ارحل إلى إفريقية واسكن بها بلدا تسمى شاذلة، فإن الله يسميك الشاذلي، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس، ويؤتي عليك من قبل السلطنة، وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد الشرق، وترث القطبانية.
وأقام الشيخ أبو الحسن في تونس وقتا ما ثم تركها إلى المشرق واستقر في مدينة الإسكندرية، وفيها بدأ يلقي دروسه ويعقد الحلقات يعظ الناس ويدعو إلى طريقته ومبادئه، وجذبت إليه هذه الدروس والمواعظ الجلة من علماء المدينة وفقهائها فلازموها ملازمة تامة، وسيكون هؤلاء التلاميذ فيما بعد. قادة الحياة الفكرية والروحية في المدينة، نذكر منهم تلميذه الأثير وخليفته في القطبانية أبا العباس المرسي، والشيخ مكين الدين الأسمر، والشيخ أبا القاسم القباري، والشيخ ابن المنير، والشيخ أمين الدين جبريل وكثيرين وغيرهم.
وحدث الشيخ ياقوت العرش رواية عن شيخه أبي العباس المرسي أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي كان يحج في كل سنة ويجعل طريقه على صعيد مصر ويجاور بمكة شهر رجب وما بعده إلى انقضاء الحج، ثم يزور القبر الشريف ويجعل طريقه على صعيد مصر ويعود على الدرب الكبير إلى الإسكندرية.