تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والكنائس القديمة، والأسوار الشاهقة وما يتخللها من أبراج وحصون وأبواب، وأخيرا المساجد التي بنيت في العصر الإسلامي لتكون معابد يذكر فيها اسم الله كثيرا ومدارس تعقد في جنباتها حلقات العلم والتعليم.

وكان هؤلاء المغاربة والأندلسيون يستأنفون رحلتهم بعد ذلك فيؤدون الفريضة، وقد تشوق البعض منهم الرحلة ومباهجها فينتقلون في مدن الشرق وأمصاره الكبرى مثل بغداد ودمشق وبيت المقدس وغيرها، لزيارتها والإفادة من علمائها، ثم يقودون بعد هذه الرحلة الطويلة إلى الإسكندرية ليستأنفوا منها طريق العودة إلى بلادهم، ولكن كثيرون منهم -وخاصة العلماء وطلاب العلم - كانوا يؤثرون البقاء في الإسكندرية واتخاذها وطنا ودار إقامة، لينالوا شرف المقام في هذا الثغر والرباط العظيم وليستزيدوا من علم يطلبونه، ولينشروا علما حصلوه وأصبحوا فيه أئمة وفقهاء وقادة.

وقد زادت صلة الإسكندرية بالمغرب توثقا منذ أتى الفاطميون بجيوشهم من المغرب وفتحوا مصر واتخذوها مقر الخلافة، فقد أصبح المغرب كله ومصر والشام دولة واحدة، ونتيجة لهذا كثرت رحلة المغاربة والأندلسيين إلى مصر، وإلى الإسكندرية بوجه أخص.

ورغم أن المذهب الرسمي للدولة في العصر الفاطمي كان هو المذهب الشيعي، ورغم أن الدولة بذلت جهودا كبيرة لنشر هذا المذهب بين المصريين جميعا، فقد ظلت مدينة الإسكندرية مدينة سنية، وكان المذهب المنتشر بين الإسكندريين والمعمول به بينهم هو مذهب الإمام مالك منذ انتشر هذا المذهب في المغرب وبين المغاربة، وبتأثير الجوار والرحلة انتقل إلى الإسكندرية وساد فيها، ولهذا نرى أن عددا كبيرا من علماء الإسكندرية في العصر الإسلامي - المصريين منهم والمغاربة - كانوا مالكي المذهب.

من كبار هؤلاء العلماء المالكية الذين رحلوا من الأندلس إلى الإسكندرية واستقروا بها في القرن الخامس الهجري - أي في العصر الفاطمي - واتخذوها وطنا ودار مقام الفقيه العالم الصوفي الكبير أبو بكر الطرطوشي.

ولد هذا العالم الجليل في مدينة طرطوشة في سنة 450هـ وأخذ العلم أولا على علماء المغرب والأندلس، وخاصة أبا الوليد الباجي، ثم شاقته الرحلة إلى المشرق فرحل إلى مكة وأدى فريضة الحج وجاور بها وقتا ثم زار بغداد وقت أن كانت تبنى بها المدرسة النظامية فتتلمذ على أساتذتها، وزار مدنا أخرى كثيرة في العراق والشام، وانتهى به المطاف إلى مدينة الإسكندرية حوالي سنة 490هـ فطاب له المقام بها وتزوج من سيدة موسرة من أهلها أهدته دارا فاتخذ من الطابق العلوي سكنا ومن الطابق السفلي مدرسة كان يدرس بها العلوم الإسلامية المختلفة وخاصة علم الحديث والفقه المالكي، وتلمذ عليه الكثيرون من أهلها ومن الوافدين عليها مدة ثلاثين عاما نشر في خلالها علما كثيرا وأصبحت الإسكندرية بفضله محجا يحج إليها طلاب العلم من كل حدب وصوب، إلى أن توفي إلى رحمة الله سنة 520هـ ودفن بمدينة الإسكندرية ولا زال قبره بها معلما من أهم معالمها.

وعاشر الطرطوشي في مدينة الإسكندرية عالم كبير آخر أتى إلى المدينة يسعى من أقصى الشرق، من مدينة اصبهان، ذلكم هو الحافظ أبو الطاهر أحمد ابن محمد بن أحمد السلفي، واحد من كبار علماء الحديث الذين عرفهم تاريخ الفكرالإسلامي.

واشتغل السلفي منذ نزوله بالإسكندرية بالتدريس، وتدريس الحديث بوجه خاص، وكان يعقد حلقاته أول الأمر في مساجد المدينة، ولم يلبث أن أقبل الطلاب عليه من جميع أنحاء العالم الإسلامي، وفي حدود سنة 540هـ بنى له العادل بن السلار -الوزير الفاطمي - مدرسة خاصة به عرفت أول الأمر بالمدرسة العادلية - نسبة إلى بانيها - ثم عرفت فيما بعد باسم المدرسة السلفية - نسبة إلى أستاذها وشيخها-.

وفي «معجم السفر» للسلفي تراجم لكثيرين ممن تتلمذوا عليه من أهل المغرب والأندلس، وكان بعض هؤلاء وسيلة طيبة لنشر علم السلفي في بلادهم بعد عودتهم، من هؤلاء: أبو محمد عبد الله بن سليمان ابن منصور التاهرتي، قال السلفي في ترجمته: «كان من الفضلاء في الفقه والأدب، وله شعر، وكتب عني من الحديث كثيرا بعد رجوعه من الحجاز، ثم رجع إلى المغرب وروي عني هناك».ن أن أ

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧٥٢