دعوة الحق، س.4، ع1 /نونبر 1960 .................... ص 47
الصلات الثقافية بين المغرب والاسكندرية
للدكتور جمال الدين الشيال
باسم جامعة الإسكندرية الفتية أحيي جامعة القرويين العريقة في هذه المناسبة السعيدة، مناسبة الاحتفال بمرور أحد عشر قرنا على تأسيسها، وجامعة الإسكندرية أحق الجامعات أن تكون لها الصدارة عند تقديم هذه التحية: فلقد كان لموقع مدينة الإسكندرية الجغرافي أثر كبير في توثيق العلاقات بينها وبين بلاد المغرب والأندلس في العصور الوسطى الإسلامية، فالإسكندرية ثغر من الثغور الإسلامية الهامة، وكانت رباطا كبيرا ترابط فيها - منذ دخلها الإسلام - حامية مسلحة كبيرة، فقد خصص عمرو بن العاص ربع جيشه لرباط الإسكندرية يقيمون بها ستة أشهر، ثم يستبدلون بربع آخر، وكان عمر بن الخطاب يرسل كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط في الإسكندرية، وذلك لأن العرب لم يكونوا يأمنون عليها من غارات العدو بعد أن نقض الروم الصلح مرتين، وحاولوا الهجوم عليها واستردادها.
وكتب عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي السرح بعد نقض الروم:
«قد علمت كيف كان هم أمير المومنين بالإسكندرية وقد نقضت الروم مرتين، فالزم الإسكندرية رابطتها، ثم اجر أرزاقهم، وأعقب منهم في كل ستة أشهر».
ومن الأقوال المأثورة أن الإسكندرية «كنانة الله يحمل فيها خير سهامه».
وقال عبد الله بن مرزوق الصدفي: «لما نعى إلى ابن عمي بن يزيد -وكان توفى بالإسكندرية - لقيني موسى بن علي بن رباح وعبد الله بن لهيعة، والليث بن سعد متفرقين، كلهم يقولون: أليس مات في الإسكندرية؟ فأقول بلى، فيقولون: هو حي عند الله يرزق ويجري عليه رباطه ما قامت الدنيا، وله أجر شهيد حتى يحشر على ذلك».
فالمسلمون الأول كانوا يعتقدون أن الإقامة في الرباطات والحياة في الثغور نوع من الجهاد، ومن يموت أثناء مقامه بها فهو شهيد، ولهذا جذبت الإسكندرية إليها في العصور الإسلامية عددا كبيرا من المسلمين، ومن العلماء بوجه خاص، ومن علماء المغرب والأندلس بوجه أخص.
كما أن مسلمي المغرب والأندلس كانت تتطلع نفوسهم وتهفو أرواحهم دائما إلى المشرق: منبت الدعوة الإسلامية، ومقر البلدان المقدسة مكة والمدينة وبيت المقدس، وموطن العلم الإسلامي، ودار العلماء والمعاهد العلمية المختلفة، فهم كانوا في شوق دائم إلى الرحلة إلى هذا المشرق، وهدفهم الأول أداء الفريضة والحج إلى بيت الله، وزيارة قبر الرسول عليه السلام، والإلمام بالمساجد ومعاهد العلم، ومقابلة العلماء والأخذ عنهم.
وكان المحيط الأول لرحلتهم المشرقية هو مدينة الإسكندرية -الرباط والثغر الإسلامي الكبير - يصلون إليها بعد رحلة طويلة شاقة مضنية، عبر الصحراء في المعتاد، وعلى ظهر السفن في القليل النادر، وهم كانوا إذا وصلوها أقاموا فيها فأطالوا الإقامة طلبا للراحة من عناء السفر، ولزيارة معالمها التاريخية التي كانت تبهر أنظارهم وقتذاك، مثل المنارة - إحدى عجائب الدنيا-، وعامود السواري، والمسلات، والقصور ن أن أ
ن أن أ
ن أن أ