تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع1 /أكتوبر 1960 .................... ص 42

هل للحكومة وظائف إقتصادية؟

للأستاذ محمد الصادق البقالي

إن الحكومة تحت ظل النظام الرأسمالي تقف جانبا تاركة إدارة الأفراد حرة في معالجة مشاكلهم الخاصة بإشباع ما تتوق إليه أنفسهم ورغباتهم من حاجات. فيتجه المنظمون (أصحاب المشروعات) إلى إنتاج تلك الأنواع من السلع والخدمات التي يرون جانب الطلب عليها قد مال بها إلى ضرورة إحداث المزيد منها -وباتخاذ المنظمين لهذا السلوك الطبيعي يحققون لمشروعاتهم الربح (الذي هو غايتهم من أهدافهم الإنتاجية) وللمجتمع فائدة الحصول على تلك السلع والخدمات التي كانت في طريقها إلى النضوب ...

وبذلك يتحقق التوازن بين ما يطلبه الأفراد وبين ما يعرضه المنظمون الذين اتخذوا من جهاز السوق قياسا وميزانا يهتدون به في معرفة رغبات الأفراد.

غير أن هذا النظام الذي يترك المنظمين أحرارا في معالجة مشاكلهم الاقتصادية لا يعني أنه يلغى أو يوقف الحكومة عن تقديم خدماتها وإنتاج سلع بجانب ما ينتجه الأفراد، إذ هناك من الحاجات ما تقصر المنشآت الخاصة عن إشباعها بل قد لا تكون من أغراضها التي من أجلها وجدت .. فالخدمات التي يحصل عليها الأفراد من الدفاع الوطني والأمن الداخلي والقضاء خدمات أساسية تتصف بطابع جماعي بمعنى أنها لازمة لكل الأفراد ولا يمكن أن يقتصر أداؤها لفرد دون الآخر ما دامت رابطة الوطن تجمع بينهم تحت منظمة اجتماعية واحدة ... وهي إذ تؤدى لأفراد المجتمع لا تنتظر ثمنا يتناسب مع استفادتهم منها، ويرجع ذلك إلى عدم إمكان حصر أو قياس ما يصيبه فرد ما من وجود المحاكم أو رجال البوليس من منافع ... وهي بطبيعة الحال من مقومات ومقتضيات وجود الحكومة، بوجودها يكتمل الإطار السياسي للدولة ..

وبجانب هذه الخدمات التي تعد من مقتضيات وجود الحكومة توجد مرافق أخرى تستند فكرة قيام الحكومة بأدائها إلى كونها خدمات جماعية يصعب مطالبة من ينتفع بها مباشرة بدفع المقابل كالطرق العامة التي تربط بين أنحاء البلاد داخليا وبينها وبين البلاد الأخرى .. فهي خدمات غير قابلة للتجزئة بمعني أننا لا يمكننا أن نطالب المستفيد منه بجزاء ثمنا يتناسب ومدى ما يصيبه من فائدة في استعماله للطرق .. وإن كانت -قديما- تدفع إتاوات عن استعمال الطرق فإنه في عصرنا هذا يصعب اتخاذ هذا الإجراء وذلك راجع إلى تقدم العمران وازدحام السكان وقد يظن البعض أن الضرائب التي تدفع عن السيارات ما هي إلا ثمن مقابل استخدام الطرق لكن هذا غير صحيح ولو أنه في غالب الدول تستخدم حصيلة هذه الضرائب في الإنفاق على إنشاء الطرق وتعبيدها. لأنه لو كان الأمر كذلك لكان هناك تعسف في تقدير مقدار هذه الاستفادة نظرا لتباين المسافات التي تقطعها السيارات، أضف إلى ذلك أن الدواب والعربات تطرق هذه الطرق دون أن يتحمل معظمها بضريبة ما.

وهذه الحالة تنطبق كذلك على الإذاعة ما دامت لا تذيع إلا البرامج العامة دون قيام بدعاية وإعلان ففي هذه الحالة تكون الخدمات جماعية أي عامة بينما أن كانت تتخلل هذه البرامج برامج تجارية إعلانية فإن هذه الأخيرة تكون قابلة للتجزئة أي أنها تفيد طائفة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧٤٦