تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا أن الإرهاصات التي أمكن استطلاعها غداة وقوع الانقلاب لم يمكن معها -بحق- تكوين استنتاجات إيجابية في هذا المقام.

إن هناك -حقا- ما يجوز أن يحملنا على الاعتقاد بأن النظام الثوري الجديد في تركيا ربما يكون أكثر ليونة ومرونة في السياسة العربية والإسلامية، ولكن ليس هناك ما يساعد على التأكيد بأن الثورة التي قام على أساسها هذا النظام تستهدف في بواعثها الأولى أغراضا انقلابية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية على العموم وعلاقة هذه السياسة بالعالم العربي على الخصوص، ولا مفهوم لتركيا وحدها في هذا المجال، فالتطورات السياسية المختلفة التي تتلاحق في ربوع العالم الإسلامي لا تنبعث -كما تمكن ملاحظته - عن عوامل إسلامية أو شبه إسلامية، إن أصولها غالبا ما تكون ناشئة عن اضطرابات اجتماعية أو اقتصادية الصعيد الداخلي أو في ميدان الحياة العالمية.

وهذا ما يمكن أن تفسر به الحركات الثورية في أو غيرها مما قد يكون له صلة بتطورات الوقائع على إيران وأندونيسيا والباكستان وغيرها، فقد أمكن لهذه الأقطار أن تعيش فترات ثورية مختلفة كان لبعضها تأثير حاسم على سير الوقائع التاريخية وتحديد اتجاهاتها ونتائجها، وعلى الرغم من وجود محتوى عقائدي كان تعبر عنه أحيانا مثل هذه الثورات فإنها -مع ذلك- لم تسهم في العمل على تدعيم الوعي الإسلامي أو مسايرته على الأقل وذلك لسبب بسيط وهو أنها لم تكن ناشئة عن تطور فكري ديني بقدر ما كانت منبعثة عن تفاعل اجتماعي أو اضطراب اقتصادي أو تصادم سياسي محلي أو دولي أو غير ذلك، والتطورات المختلفة التي شهدتها ربوع العالم الإسلامي خلال العقد الأخير هي -كما قدمنا- من بين الشواهد على ذلك.

وليس هناك من سبيل للاستدلال ببعض المظاهر الثورية ذات الطابع الإسلامي كالهيجان الذي تواصله جماعات دار الإسلام بأندونيسيا مثلا، فإن هذه المظاهر لا تتخذ شكلا معينا قد يحمل على الاعتقاد بأنها تشكل ثورة فكرية وعقائدية إسلامية ذات محتوى محدد وواضح، هذا علاوة على أن الانقلاب الفكري الإسلامي الذي ننشده لا يجب بالضرورة أن يكون سبيله الوسائل الثورية العنيفة كالتحركات المسلحة وما في بابها.

إن التضامن الإسلامي المنشود يجب أن يكون نتيجة ثورة فكرية واعية وإيجابية تستهدف إيقاظ الوعي الإسلامي بين الشعوب الإسلامية وتتغيا تعميق هذا الوعي وتأصيله حتى يصبح عاملا موجودا له فاعليته وتأثيره على سير العلاقات بين وحدات العالم الإسلامي وتنمية بذور التعاون والتفاهم فيما بين الشعوب والدول الإسلامية.

إن هناك - بحق- كثيرا من المظاهر الدالة على تزايد الاهتمام بهذا الموضوع وغيره مما يتصل بحياة الإسلام المعاصر، ومن آيات ذلك ما سجله تاريخ الحركات الإسلامية من بوادر ملحوظة تمثلت بعض مظاهرها في مؤتمر لاهور (1958) الذي دعت إليه جامعة البنجاب وفي غيره من المؤتمرات الإسلامية المتعاقبة، ولم يكن مؤتمر لاهور وسيلة لدراسة الإسلام كنزعة روحية فقط، بل إنه كان يرمي إلى استقصاء المشاكل التي تواجه حياته المعاصرة ودراسة التغلب على هذه المشاكل وتدليلها وخاصة ما يتصل من ذلك بحياة المسلمين الحديثة، وقد انعقدت قبل هذا المؤتمر وبعده كثير من الاجتماعات والمؤتمرات والندوات ذات الصبغة الإسلامية أو شبه الإسلامية، إلا أن هذه البوادر من الوعي الإسلامي لا يجوز أن تكون دليلا على أن الشعوب الإسلامية تسير في طريق التضامن والتعاون كما هو المفروض منطقيا وكما هو الواقع فعلا بين شعوب أخرى تعتبر أجنبية عن الإسلام.

وإذا كان الأمر كذلك فكيف يجوز لهذا الوعي الإسلامي المحدود أن يتخطى حدوده الضيقة ليصبح عامل تضامن وتفاهم ووئام بين الشعوب التي تنتسب إلى العقيدة الإسلامية؟ هل من سبيل إلى النفوذ إلى سبيل هذا التضامن والتفاهم وتنمية بواعثه وأسبابه؟

ذاك هو -في الواقع- صميم المشكلة الدولية الإسلامية في صورتها الملحة المعاصرة.

وذلك أيضا ما يتعين على القيادات الإسلامية الواعية أن تعني بمعالجته على أساس التقدير الصحيح للحقائق العالمية المعاصرة وعلى ضوء الواقع الحي المجرد عن الخيالات والأوهام.

وليس للآراء الفردية بالطبع ما يمكن من تكوين منهج صحيح للعمل الإيجابي الخلاق في هذا الموضوع الهام، ولكن ذلك لا يجب أن يكون عائقا دون التفكير في الأمر -ولو بصورة جزئية جدا - واستخلاص العبر الكثيرة والاستنتاجات الممكنة التي قد تتكشف عنها معالجته مهما كان نطاق المعالجة ضيقا ومحدودا. وعلى هذا فإننا سنعود إلى الموضوع في مقال آت بحول الله.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧٤١