إن كثيرا من الأقطار الإسلامية تقوم فيها حقا أنظمة سياسية لا تمثل كل الاتجاهات الشعبية العامة ولكن هناك أقطارا إسلامية أخرى توجد - على العكس - متوفرة على كثير من المؤسسات الديموقراطية التي يجوز أن تمثل -إلى حد ما- النزعات الجماهيرية بعض التمثيل، ومع ذلك فإن الأنظمة النيابية في بعض هذه الأقطار كانت وسيلة لتعزيز سياسة عدم التضامن التي ينتهجها المسؤولون الحكوميون في حقل العلاقات مع بقية أقطار العالم الإسلامي، وبالتالي فإن الكتل الشعبية الممثلة برلمانيا تتحمل هي بدورها قسطا من المسؤولية في هذا المقام.
إن التعليل الذي يمكن الاستعانة به في فهم هذه الظواهر الملتوية يتمثل فيما يبدو على الجماهير المسلمة من سلبية وقصور في التفكير الديني وما يتصل به من معطيات سياسية واجتماعية وغيرها.
والواقع أن كثيرا من جوانب المشكلة الدولية الإسلامية يتركز -على ما يبدو - في هذه النقطة بالذات فالجماهير في بعض جوانب العالم الإسلامي لا يلوح عليها ما يمكن أن يعتبر استعدادا لاستيعاب المضمون السياسي والاجتماعي للفكرة الإسلامية، وبالتالي فإنها لا تستطيع أن ترتفع بالمفهوم الديني -كما يحدده الإسلام- إلى مستوياته الإنسانية العملية التي تستند إلى مبادئ التكافل والتعاون في العلاقات الإنسانية الخيرة وتستوجب إقراره بين الأفراد والجماعات المسلمة إقرارا ثابتا ومركزا.
وإذا كان مبدأ التآخي الديني يتخذ عند الكثير من المسلمين مدلولا واقعيا له قيمته واعتباره فإن هذا الشعور الأخوي السطحي لا يقوم كقوة موجهة ذات فاعلية وتأثير لأن مفهومه لا يجاوز في بعض الأحيان حدودا سلبية جوفاء كالتحاب المجرد والتعاطف المظهري الفارغ والتجاوب السطحي في المشاعر والأحاسيس وأشياء من هذا القبيل.
على أن مجال الشعور الإسلامي في حدوده الضيقة هذه قد بدأ يتقلص أو هو بصدد ذلك بالنسبة لبعض الشعوب الإسلامية التي اجتاحتها تيارات إيديولوجية وفكرية معينة، فقد أخذت القوات الجماهيرية في هذه الشعوب -باستثاء فئات قليلة ممن يوصفون بالمحافظة والتزمت -تتخذ سبيلا يتجه بها نحو حالات من ضعف الانفعالات للمؤثرات الروحية الدينية وما تقتضيه من اتجاهات أو تضمه من محتويات أخلاقية وفلسفية مختلفة ومن نتائج ذلك بالطبع أن مفهوم التضامن الإسلامي قد غدا عند البعض مفهوما خياليا لا ينطوي على أية عناصر معقولة وإيجابية، كما أصبح عند آخرين ذا مدلول غير علمي لأنه لا يستجيب للحاجيات الفكرية والروحية والحقائق السياسية والاقتصادية التي تتحكم في توجيه العلاقات الإنسانية في العصر الحاضر أننا -بالطبع- لا نسوق هذه الآراء للاستدلال بها أو استخدامها للدفاع عن وجهة نظر معينة، وإنما نأتي بها باعتبارها حقائق فعلية تمثل جانبا من الواقع الفكري الإسلامي في بعض البيئات الإسلامية وتعبر عن بعض التيارات الاتجاهية التي تجيش بها هذه البيئات وتنفعل لها انفعالا جزئيا أو تاما، ولهذا نلاحظ أن الحركات الجماهيرية التي شاهدتها كثير من الأقطار الإسلامية لم يكن لها من منطق في الغالب إلا ما يتصل بالأهداف الوطنية والطائفية، أما العامل الديني فقد غدا يمثل بالفعل جانبا من حياة الجماهير لا يقوى -لضعفه- على خلق تيار ثوري جماعي أو يساهم في توجيه عمل شعبي انقلابي وتعتبر الثورة التركية الأخيرة من بين النماذج التي لها دلالتها في هذا المقام، فقد استطاعت الجماهير التركية أن تهييء ظروف عمل ثوري صميمي كان من نتائجه تدمير قواعد النظام الذي كان يمثله مندريس وبيار وغيرهما، وقد كان العمل الثوري شعبيا جماهيريا على الرغم من الصبغة العسكرية الانقلابية التي اصطبغ بها في مراحله الأخيرة، ومع أنه لم يحدث تغييرات جذرية على حياة تركيا الخاصة وعلاقاتها الخارجية الدولية فإنه -مع ذلك- كان يستهدف أغراضا معينة مخصوصة ضمت على صعيد واحد عناصر الطلاب والسياسيين والعسكريين وغيرهم، ولكن أي هذه الأغراض كان يتصل بحياة الإسلام على ضفاف البوسفور والدردنيل؟ فقد كان من الجائز أن يواجه النظام السابق مؤاخذات في موضوع العلاقات التركية العربية، وكان من الضروري أن تكون هذه المؤاخذات من عناصر العمل الثوري الذي أطاح بنظام الحزب الديمقراطي التركي، وكان من اللازم كذلك أن تتم المبادرة إلى تصحيح الأوضاع وتقويم الأحوال التي كانت تميز السياسة التركية العربية خلال العهد المباد، وذلك في نطاق المصلحة المشتركة التي تضم بين الشقيقة الإسلامية الكبرى وبين جيرانها العرب في الشرق الأدنى والأوسط.