السياسية العالمية وتكييف النتائج الناشئة عنها بشكل مباشر أو غير مباشر. والذي يبدو واضحا أن العوامل المصلحية كان من الممكن أن يكون لها -كما هو شأن الإسبان واليونان - تأثير على مواقف بعض الدول الإسلامية التي ترتبط مصالحها بالشرق الأوسط ارتباطا تاما أو نسبيا وبالتالي فإن اتجاهات الدول تكون أكثر انسجاما مع موقف العالم العربي من إسرائيل، ولكن كثيرا من الظواهر الواضحة تدل على أن بعض الأقطار الإسلامية تعتمد في سياستها بالشرق الأوسط على استنتاجات أخرى ذات تأثير معاكس، فالمصلحة عند هذه الأقطار قد تأخذ اتجاها آخر، وقد يقود هذا الاتجاه إلى موقف المسالمة المطلقة مع إسرائيل، وقد يقود أيضا إلى الإيغال في هذه المسالمة إلى حد إضعاف العلاقات العامة مع العالم العربي مع ما يحمله كل ذلك من نتائج سيئة وخطيرة أحيانا.
أما الموقف الذي يتحكم في تحديد مثل هذه المواقف «الإسلامية» من إسرائيل فهو منطق المصلحة القومية ... هذه المصلحة التي لا نستطيع -بحق- اكتناه سرها لحد الآن، كما لم تستطع ذلك من قبل كل من اليونان وإسبانيا وكما لم تستطيعه كل دولة غير إسلامية لم تقدم على بادرة التعاون مع إسرائيل.
وكما أن مثال فلسطين له أكثر من دلالة على تفسخ الروابط العادية بين الكثير من وحدات العالم الإسلامي فإن هناك أيضا من القضايا الإسلامية والعربية الأخرى ما يعتبر ذا مدلول قوي للاحتجاج به في هذا المقام، فالمؤازرة الدولية مثلا .. تلك التي يحظى بها الشعب الجزائري في نضاله البطولي العظيم لا تصدر فعلا عن كافة الأقطار الإسلامية، ولو أن هذه القضية ترتبط شديد الارتباط بقضايا التحرر الإنساني التي تعني الجماهير المسلمة في افريقيا وآسيا، بل أن هذه القضية تلقى من مناصرة الأبعدين عنها ومن عطف بعض الأوساط التي تنتسب لخصومها ما لا تجد له صدى كبيرا في الفلبين مثلا وماليزيا وأفغانستان ونجيريا واتحاد مالي وغير هذه الأقطار، وهكذا الشأن بالنسبة لقضايا إسلامية أخرى كقضية كفاح شعب عمان والبحرين وعدن وكاشمير وغير ذلك من قضايا التحرر الإنساني في كيان العالم الإسلامي
إننا لا نضع قضية التضامن الإسلامي في إطارها الحقيقي الذي تقتضيه تعاليم الدين المشترك والعقيدة الموحدة بل إننا نضعها - على الأقل- في إطارها المصلحي الذي يستند إلى ما يصل بين الشعوب الإسلامية من روابط مصلحية قارة وما يربط بينها من منافع سياسية واقتصادية وثقافية متبادلة سيما والأوضاع التي تسود أغلبية هذه الشعوب هي من التماثل والتقارب بقدر كبير، فأكثريتها تنتسب إلى ما يسمى بعالم الشعوب المتخلفة اقتصاديا كما أنها تعد من ضمن القطاع الدولي الذي يضم مختلف البلاد الحديثة العهد بالاستقلال، هذا بالإضافة إلى أنها تواجه أنواعا متشابهة من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتقتضيها طبيعة هذه المشاكل اللجوء إلى حلول قد تكون متقاربة ومتوازية، فالتقاء هذه الشعوب إذن على صعيد التفاهم والتضامن لا يجوز أن يفسر على أنه مظهر للتعصب العقائدي السلبي سيما والعقيدة المشتركة بين المسلمين لا تستلزم مثل هذا الاحتمال -وإنما هو مجرد أساس لتقريب وجهات النظر بين مجموعة من الوحدات الدولية التي تضم بينها في الأصل كثيرا من عوامل التقارب العقائدي والثقافي والتاريخي وتوجد في حالة افتقار على تبادل المصالح عن طريق التآزر السياسي والتعاون الاقتصادي والتبادل الفكري والتراص أمام المهددات التي يزخر بها الأفق الدولي، إن الأسس الفلسفية التي يقوم عليها مبدأ التعاون المفترض بين وحدات العالم الإسلامي لا يجب -كما رأينا- أن تكون محط رد أو اعتراض جوهري، وإذا كان الأمر كذلك فعلى من تعود مسؤولية التفسخ العقائدي والتعاوني بين الأمم الإسلامية في العصر الحاضر؟ هل تقع التبعة على مختلف الهيئات الحكومية أو على الجماهير والتكتلات الشعبية؟ أو أنها تؤول بالأحرى إلى القيادات الاجتماعية والثقافية وغيرها؟ الذي يبدو ظاهريا أن بعض جوانب المسؤولية في هذا المقام تعود إلى القيادات الحكومية والأنظمة السياسية القائمة في مختلف ربوع العالم الإسلامي، ولكني لا أستطيع أن أساير هذه الوجهة من النظر مسايرة مطلقة، لأنها لا تعكس كل الحقائق التي تدق أحيانا ويعوزها القدر الكافي من الجلاء والوضوح، فليس من المعقول إطلاقا غزو أزمة التضامن الإسلامي إلى الجهات الحكومية الرسمية في العالم الإسلامي دون غيرها، أن الشعوب تتحمل أيضا مسؤوليتها الضخمة في وجود هذه الأزمة وفي نموها وتطورها وسوء النتائج التي تنبثق عنها، فالحكومات -في بعض الأحيان- لا تفعل إلا أن تعكس صورة الواقع الفكري الشعبي وتمنحه شكله الفعلي المجسم، ومن الجائز جدا أن بعض الحكومات الإسلامية قد لا تشذ عن هذه القاعدة إلا قليلا. ن م