الإسلامية من الوجود الصهيوني في فلسطين وكيف يجوز تبرير السلوك الذي تتخذه هذه الدول والذي يعبر عن استساغة مبدأ العلاقات الودية مع إسرائيل؟ وكيف يمكن تسويغ التهافت الذي تبديه دول إسلامية أخرى على الترابط الاقتصادي مع الصهيونيين وفسح المجال أمام التوسع الإسرائيلي لينفذ إلى أعماق القارة الأسيوية والإفريقية ولو كان ذلك على حساب المودة والإخاء الذي يجب أن يربطها بالشعوب العربية؟ بل كيف يمكن أيضا تبرير النهج الحيادي السلبي الذي يلتزمه صنف آخر من الدول الإسلامية حيال إسرائيل وكأنها ليست السبب المباشر في مأساة المليون من اللاجئين.
قد يجوز أن يقال أن ذلك ناشئ عن الصيغة العلمانية التي تسود بعض الدول حيث تتم ممارسة شؤون السياسة العامة بمنأى عن الدين ومؤثراته وحيث تبرز المصلحة الوطنية الخاصة كأقوى عامل في تحديد الاتجاهات السياسية في الداخل والخارج، وقد يقال أيضا أن منشأ ذلك يعود إلى ما يكتنف مواقف بعض الأقطار الإسلامية في العالم الدولي من ملابسات دقيقة ومحرجة وذلك كوضع تركيا داخل حلف الأطلسي ووضع إيران في حظيرة منظمة المعاهدة الوسطى وموقف نيجريا كعضو محتمل في رابطة الشعوب البريطانية وحالة الملايو كعضو فعلي في هذه الرابطة، وقد يقال غير هذا أو ذاك، ولكن هل يجوز أن تكون هذه الأقوال كافية لتبرير السياسة الودية التي تنتهجها حكومة إسلامية في افريقيا وآسيا حيال إسرائيل وحيال التوسع السياسي والاقتصادي الذي تقوم به الدولة الصهيونية في القارتين الملونتين.
وإلا فهل ضروري أن تكون لتركيا ونيجيريا مثلا من المصالح في إسرائيل أكثر مما لها من منافع متبادلة مع دول الجامعة العربية تلك الدول التي تعتمد مواقف العداء السافر ضد الدولة الصهيونية وضد كل من يصل أسبابه بها من قريب أو بعيد.
إن دولة متخلفة كنيجيريا تحتاج فعلا إلى جميع ألوان المساعدة الفنية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وهي في وضع يضطرها بحق التماس أسباب هذه المساعدة من جميع المصادر الدولية التي لها بعض التبريز في مثل هذه الميادين، ولكنه ليس ثمت ما يجبر هذه الدولة الإسلامية على اقتحام أبواب التعاطي مع إسرائيل والانسياق في سبيل التعامل معها كمصدر لاستقاء الإعانة وتبادل التجارة وغيرها، وذلك لأسباب منها: 1) أن إسرائيل توجد هي نفسها في حالة افتقار إلى الاستفادة من إمكانيات المساعدة الدولية الخاصة والعامة 2) إن المساعدة الإسرائيلية المحتملة تؤدي في الغالب إلى الحرمان من إمكانيات التعاون السياسي والاقتصادي مع كثير من دول الشرق الأوسط وهي إمكانيات هامة لها نصيبها من القيمة والاعتبار 3) إن وسائل الاستفادة من الإعانة الدولية لم تعد تنحصر في نطاق التعامل مع دول معينة بل أصبح لها مجال واسع في نطاق التعامل مع دول معينة بل أصبح لها مجال واسع في نطاق الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية المختلفة بالإضافة إلى الهيئات والمصالح الدولية الأخرى التي لها صبغة عالمية غير ملزمة.
أما بالنسبة لتركيا فالأمر أكثر وضوحا وبيانا فالدولة التركية مرتبطة بالعالم الأطلسي ارتباطا وثيقا متينا وارتباطها هذا يتيح لها الكثير من فرص الاستعانة بالإمكانيات المالية والفنية الغربية على نطاق واسع نسبيا وذلك مما لا يجوز أن يجعلها مجبرة بالضرورة عن التعامل مع إسرائيل أو الارتباط ولو في نطاق العلاقات الديبلوماسية العادية وذلك -كما ذكرنا- في سبيل ضمان التعاون الاقتصادي والسياسي مع العالم العربي هذا التعاون الذي يجب أن يعني كل دولة تهتم بالشرق الأوسط والشمال الإفريقي وترتبط مصالحها بهذين القطاعين الدوليين الهامين ارتباطا كليا أو جزئيا.
وقد أدركت اليونان وإسبانيا -وهما دولتان مسيحيتان- هذه الحقيقة فلم تقدم أي منهما على بادرة الاعتراف بالنظام الصهيوني القائم في فلسطين المحتلة ولم تترددا في الامتناع عن ربط علاقات المودة مع هذا النظام على الرغم من الظروف الدولية التي تحوط كلا من أثينا ومدريد والتي تدعوهما على العكس إلى انتهاج سياسة التقارب مع إسرائيل.
وليس من المنطقي حقا أن نعزو موقف الدولتين المسيحيتين من الصهيونية إلى إمكانية وجود عواطف قومية أو دينية تملأ صدور اليونانيين أو الإسبان نحو العروبة والإسلام، ليس هناك بالطبع ما يدعو إلى اعتناق ذلك وعلى هذا فإن ما يعلل السياسة الإسبانية واليونانية في هذا المقام هو التفكير المصلحي الصرف .. هذا التفكير الذي له أكبر وزن على توجيه التيارات