تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الالتزامات الدولية التي تعني كل دولة إسلامية على حدة؟ أم أنه ناشئ عن تباين الظروف الإقليمية التي تحوط مختلف الأقطار الإسلامية.

الواقع أن مقتضيات الحياة العالمية الحديثة قد هيأت بالفعل كثيرا من أسباب التباين في الظروف والأحوال والمصالح بين شعوب العالم الإسلامي. والواقع أن هذا التباين يزداد اتساعا بقدر ما يشتد احتكاك المسلمين -كما قدمنا- بالتيارات العالمية المعاصرة من سياسية وفكرية وغيرها، فهناك من الشعوب الإسلامية من أجبرته ظروفه الجغرافية والدولية على الارتباط بالعالم الغربي والتأثر بسياسته واتجاهاته العامة وذلك كالباكستان وإيران واتحاد الملايو وتركيا والفليبين وغير ذلك، كما أن هناك من الأمم الإسلامية الأخرى من اضطرته ظروف معينة إلى الارتباط بالعالم الماركسي والتقيد بنظرياته وآرائه والتزام خطته في السياسة العامة والخاصة بل والانصهار في بوتقته انصهارا كليا أو جزئيا وذلك كألبانيا وسينكيانج الصينية والجمهوريات الإسلامية السوفياتية في أواسط آسيا وغيرها من الأمم والأقليات الإسلامية (المتمركسة) هذا بالإضافة إلى أقطار أخرى ممن قادتها اتجاهاتها إلى اعتناق مبادئ سياسية خاصة مثل مبدأ الحياد الإيجابي والتعايش السلمي تارة وعدم التبعية تارة أخرى، ومن بين هذه الأقطار: أندونيسيا وأفغانستان والعربية المتحدة وغينيا والمغرب والعراق وغير ذلك، كما أن هناك أخيرا بعض الدول الإسلامية التي لم تتبين بعد طريقها بوضوح في خضم التيارات المذهبية الدولية المعاصرة، ولذا فإن اتجاهاتها تكتسي طابع الحيرة والارتباك تارة كما تصطبغ بلون الغموض والإبهام تارة أخرى، ولا ينحصر أمر الاختلاف بين وحدات العالم الإسلامي في هذا النطاق المتعلق بالاتجاهات السياسية الدولية فقط بل أن مظهره يتجلى في ميادين أخرى غير ما ذكرناه آنفا، فهناك -بحق- كثير من التباين في طبائع الأنظمة السياسية والاقتصادية التي تسود هذا القطر الإسلامي أو ذاك، كما أن هناك أيضا كثيرا من الاختلاف في مناهج الحكم وأساليب القيادة والتسيير التي تتحكم في توجيه مصائر الشعوب الإسلامية وتقتاد كلا منها إلى وجهة معينة وخاصة، فاليمينية التي ينطبع بها نظام الحكم في إيران مثلا تختلف عن الاتجاه اليساري المعتدل الذي يتدرج إليه الوضع الحكمي في غينيا، وهذا الوضع يختلف بدوره عن ذلك النوع من اليسارية المتطرفة التي يعتنقها جهاز الحكم السائد في ألبانيا وغيرها. وكل هذا من شأنه أن يؤكد حالات الاختلاف الملموس الذي يفصل فعلا بين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدولية لمختلف الأقطار الإسلامية ... هذه الحالات التي ليست من الخفاء والدقة بالقدر الذي يسوغ معه نكرانها أو التقليل من أهميتها ومفعولها، ولكننا نعود إلى ذلك التساؤل السابق: هل من الممكن اعتبار هذه الاختلافات أساسا لتبرير كل هذه المظاهر من التجافي والتنافر والإهمال المتبادل تلك التي تنطبع بها صورة العلاقات بين كثير من البلاد الإسلامية؟ هل يجوز أن يتخذ ذلك ذريعة لاستبعاد كل تعاون دولي منظم وفعال بين مختلف الدول الإسلامية؟ قد يبدو ذلك صحيحا بعض الشيء ولكنه ليس كذلك في جميع الأحوال، فالاختلافات ذات الصبغة السياسية أو الاقتصادية قد تقود حقا إلى اختلافات أعمق في مجال الحياة الدولية وتؤدي بالتالي إلى تدمير بوادر التعاون والتفاهم بين الدول التي تفصل بينها هذه الاختلافات، هذا صحيح في بعض الصور والحالات، ولكنه لا يمثل قاعدة ثابتة يجوز الاعتماد عليها في إصدار أحكام قاطعة وباتة فهناك فعلا كثير من الحالات الدالة على إمكانيات التعاون والتفاهم بين الوحدات أو المجموعات الدولية على الرغم ومن التفاوت الذي قد يكون حاصلا بين أنظمتها السياسية وأوضاعها الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، كما أن هناك أيضا بعض الصور التي لها قيمتها في التدليل على جواز قيام تكتلات دولية متماسكة لم تؤثر عليها مثل هذه الاختلافات أو تحول دون استمرارها بنجاح بل ونموها نموا مطردا وملحوظا ومن أمثلة ذلك: نظام الكومونولت الذي يضم على صعيد التعاون والتفاهم كثيرا من الشعوب المختلفة في أنظمتها واتجاهاتها وأوضاعها وأديانها وأجناسها والمتحدة فيما يحدوها من رغبة عامة في تبادل المصالح والمنافع المشتركة في مختلف الميادين من اقتصادية وفنية وثقافية ودولية وغيرها، وهناك من الشعوب الأخرى -غير شعوب الكومونولث- من تضمها أحلاف دولية كبرى توحد بينها في المصير والاتجاه والمصالح والأحاسيس ما يبدو غريبا ومدهشا، وإذا جاز أن تكون الفواصل بين الأمم الإسلامية أعمق تأثيرا مما يوجد بين شعوب الكومونولث وغيرها فهل يجب أن تؤدي هذه الفواصل -وأكرر ذلك- إلى ما يقرب أحيانا من درجة العداء السافر والقطيعة الباتة؟ وإلا فعلى أساس يمكن تعليل موقف بعض الدول

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧٣٧