للتيارات الايديولوجية المتناقضة -التي اجتاحت مختلف الشعوب الإسلامية- إن أعانت على نشوء حالات من التفكك في العلائق بين هذه الشعوب، وذلك إلى حد يسيء إلى مبدأ التماسك الروحي الذي يجب أن يتوافر لها والذي تقتضيه حاجات العصر، ومقتضيات العقيدة الدينية أن هناك بالطبع كثيرا من المظاهر التي يمكن ملاحظتها في عدد من البلاد الإسلامية والتي يمكن أن تدل ظاهريا على سلامة الحياة الدينية في صورها الشعائرية التعبدية عند الكثير من الجماهير المسلمة في هذه البلاد، ففي تركيا مثلا يلاحظ المراقبون مزيدا من الإقبال على المساجد والمعابد، وفي افريقيا يعترف الملاحظون بقوة التيار الإسلامي الذي يجتاح أمامه الوثنية وحتى المسيحية الطارئة اجتياحا عرما وقويا، وفي الحجاز يشاهد الناس الجماهير الإسلامية تنثال من مختلف أصقاع إفريقيا وآسيا وأوربا على الكعبة الحرام لتؤدي بكل دقة وأمانة شعائر الطواف والوقوف والرمي وغير ذلك، وكل هذا من شأنه أن يقود المراقب السطحي إلى الاعتقاد في استمرار الفاعلية الروحية التي يتمتع بها الدين الإسلامي والتي تساعد هذا الدين على الربط بين أتباعه في مختلف المواطن بوشائج روحية واجتماعية متينة توحد فيما بينهم وتخلق منهم كيانا معنويا له خصائصه وميزاته، ولكن هذه الافتراضات لا تمثل الواقع تمثيلا صحيحا، فليس بين المجتمعات الإسلامية بالفعل قدر من الروابط المعنوية القوية التي تبلغ هذه الدرجة من العمق والمتانة، والمظاهر الدينية التي يجوز أن تلاحظ في هذا القطر أو ذاك ليست إلا مظاهر باهتة -لا تتعدى - عند أصحابها - نطاقا محدودا تسوده الروح الفردية الخاصة وتلفه معاني العزلة والانطواء وما إليهما، فهل يصح التأكيد - على هذا الأساس- بأن هذه المظاهر التعبدية الملاحظة في مختلف أرجاء العالم الإسلامي هي كل ما يستهدف من وجود الإسلام كقوة حية فاعلة ومؤثرة؟ إن الدين الإسلامي باعتباره نظاما دينيا ودنيويا يقتضي - بكل إلحاح - توافر نوع جوهري من التماسك العام بين الأفراد والجماعات التي تنتسب إليه، وذلك في سبيل خدمته المثالية العليا التي تنصب عليها أهدافه الإنسانية الكبيرة وتركيز الجهود والطاقات حول هذه الأهداف تركيزا عميقا ومنظما.
هذا التماسك المنشود هل يجوز القول بأنه متوفر فعلا بين وحدات العالم الإسلامي وخاصة على صعيد العلاقات السياسية الدولية وما في بابها، إنه من الطبيعي أن نؤكد أن ذلك غير موجود بالفعل كحقيقة واقعية فالعالم الإسلامي -كما تتجلى صورته اليوم- لا يمثل وحدة دولية ذات أساس مصلحي أو اتجاهي مشترك، وإنما هو فقط تعبير عن واقع ديني مشترك لا يعدو وجه التشارك فيه حدود الشعائر والعبادات وما يماثلها وبعض الطقوس والعادات الاجتماعية مع كثير من الفوارق الاتجاهية التي تبلغ مرحلة التصادم أحيانا. وعلى النقيض من ذلك أحوال المجتمعات العقائدية الأخرى كالعالم الاشتراكي الماركسي والعالم الغربي الديموقراطي الرأسمالي حيث تبدو ظواهر التجانس والتماسك على أعلى نسبة ممكنة من المتانة والقوة، وحيث يبلغ مفهوم الوحدة الاتجاهية والمصيرية مستويات مثيرة من التفاعل والتمازج والانصهار.
على أنه ليس من همنا -ونحن نشير إلى وحدة العالم الاشتراكي والرأسمالي- أن نتحدث عن فكرة الوحدة الإسلامية أو حركات الدعوة إلى الخلافة أو ما شابهها من تلك الحركات التي ملأت حيزا هاما من تاريخ المسلمين الفكري في العصر الحديث، فقد كان لحركة الوحدة الإسلامية أنصار وخصوم لا يزال الكثير منهم متمسكا بآرائه ونظرياته واتجاهاته، ولم ينبثق عن غمرات الجدال والنقاش في مثل هذا الموضوع أي إنجاز إيجابي له قيمته وأثره، وذلك نتيجة السلبية الواضحة التي يتميز بها موقف الدعاة والمريدين والظروف العامة التي تكتنف الفكرة بالإضافة إلى النشاط الضخم الإيجابي الذي يبذله أنصار الحركات البديلة وذلك كحركة الوحدة العربية والوحدة الطورانية وغيرها.
إن الحديث عن وحدة سياسية إسلامية على أساس توحيدي أو اتحادي أو غير ذلك لا يبدو -لهذه الاعتبارات- أنه ذو موضوع ملح في الوقت الحاضر، ولكن امتناع الوحدة لا يعني مطلقا جواز التنافر والتدابر والتباعد، فالوحدة بحق شرط أساسي لإمكانية الامتزاج والانصهار بين الأمم والشعوب ولكنها ليست ضرورة أكيدة إذا كان الهدف مجرد تنمية التعاون والتفاهم بين هذه الأمم والشعوب، وإذا كان الأمر كذلك فعلى أي أساس تقوم هذه الحالات من التجافي المتعمد والإهمال المتبادل بين الدول الإسلامية؟ هل يعود ذلك إلى انعدام الوحدة الشاملة فيما بينها واختلاف الأوضاع السياسية والاجتماعية القائمة في كل منها؟ هل هو متأصل عن اختلاف