تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع1 /أكتوبر 1960 .................... ص 31

حياة الإسلام المعاصر وأثره بين أفراده وعلاقات دوله

للأستاذ: المهدي البرجالي

من نافلة الحديث التأكيد بأن جانبا من كتل الجماهير في البلاد الإسلامية والنخبة المتعلمة -على الأخص- تعيش فترة انتكاس روحي وديني تزداد مظاهره مع الأيام حدة وخطورة.

ومن معاد القول أيضا الإشارة إلى أن هذه الظاهرة لا تختص بقطر إسلامي دون أخرى، بل إنها تبدو عامة مشتركة بين أغلبية الشعوب التي تدين بالإسلام أو تنتسب له انتسابا دستوريا أو غير دستوري، وذلك إلى حد يمكن معه اعتبارها من الظواهر الأساسية التي تميز حياة الإسلام المعاصر.

ولكن ما شأن هذه الأزمة؟ ما مظاهرها الجوهرية المميزة؟

هل هي مظهر انحراف طارئ؟ أم أنها نتيجة حيثيات تاريخية لا سبيل إلى ردها واستدفاعها؟

إن الأزمة تمتد -باعتبار الصورة والمظهر- على أبعاد كثيرة ومتعددة ولكنها متحدة في المفعول والنتائج، أما أصولها فناشئة -كما هو ملحوظ - عن اتساع مسافة التباين بين عقائد الإسلام وروحانيته وتأثيره العام وبين كثير من البيئات الاجتماعية التي تعتزي إلى هذا الدين وتعد معتنقة له. وهذا التباعد ليس في الواقع -وليد عامل زماني أو مكاني معين، بل هو نتيجة التصادم بين الحقيقة الدينية وبين بعض التيارات الايديولوجية التي تجتاح الفكر الإنساني المعاصر والتي كان لبعضها تأثير على بلبلة هذا الفكر والانحراف به نحو سبل ملتوية ومعقدة ومليئة بالإمكانيات التدميرية على اختلاف نتائجها.

والحق أن العقيدة الإسلامية تتوفر على الكثير من المقومات التي تمنحها بعض الحصانة ضد هذه المؤثرات المذهبية الطاغية، ولكن الصورة التي آل إليها الدين الإسلامي بعد أن تسربت إليه بعض العناصر السلبية الميثلوجية المنحدرة من عهود التخلف في القرون الوسطى .. هذه الصورة لم يكن من شأنها أن تبقى له على الحصانة والمناعة التي كان ينعم بها في نفوس أهله وفي أذهانهم وعقولهم وبالتالي في الكثير من تصرفاتهم واتجاهاتهم الفردية والجماعية، ولهذا كان الطريق ميسورا أما هذه المذاهب والعقائد الأجنبية المجرفة لكي تنفذ إلى كثير من مواطن الحياة الروحية والاجتماعية والسياسية في أنحاء العالم الإسلامي، وتصيب بعض الجوانب منها إصابات جزئية أو غير جزئية، ومن ثم كان منشأ هذه الحالة الروحية والفكرية المائعة. .التي يصطبغ بها الوضع الديني في مختلف الأقطار الإسلامية، تلك الحالة التي يزداد تعقدها بازدياد تأثر المسلمين بالاضطراب الروحي والفكري العالمي الشامل الذي يتميز به عالمنا الحاضر.

هذه إذن بعض بواعث الأزمة وعواملها كما يعيها ويدركها الكثيرون، أما مظاهرها فتتجلى في صور عدة يمكن استجلاؤها من ميدان الحياة العامة والخاصة لمختلف البيئات الإسلامية في هذا القطر أو ذاك ومن بين هذه الصور: 1) كسوف الجانب العقائدي الغيبي من الفكرة الدينية 2) ضعف الوفاء للنواحي الشعائرية من الالتزامات الدينية 3) تفكك عناصر الجانب السياسي والاجتماعي من التنظيمات الدنيوية الإسلامية.

وليس من همنا -في هذا الموضوع - محاولة تحليل الأزمة الدينية العامة وتتبع مظاهرها بالبحث والاستقصاء، إلا أن الذي يجب أن يستثير انتباهنا على الأقل هو ملاحظة التأثير الذي تحدثه هذه الأزمة بالفعل على مجموع الروابط الروحية التي تصل بين مختلف البيئات الإسلامية والأضرار التي استطاعت أن تلحقها بهذه الروابط على نحو مثير حقا، فقد كان

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧٣٥