تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع1 /أكتوبر 1960 .................... ص 27

ثقافتنا القضائية يجب أن نوحدها

للأستاذ: الحسن الحجوي الثعالبي

إذا كان من المسلم به بأن الاستعمار الفرنسي قد قضى على وحدة التشريع ببلادنا وهدم كيان قضائنا وبعثر محاكمنا فإن مما ينكر على المثقفين عندنا وخاصة منهم من ينتسبون إلى العائلة القضائية من قريب أو من بعيد أنهم لم يرتاحوا بعد للإصلاحات الهامة التي أنجزت لحد الآن في ميدان القضاء والتشريع فهم يعتبرون أن وجود قضاء مغربي وقانون مغربي يضمنان حقوق المواطنين أمر لا سبيل إلى تحقيقه ما دمنا لم نحدد بعد بكيفية واضحة لا تترك مجالا للشك والتردد المبادئ الأساسية والمبررات المعنوية التي يجب أن ينبني عليها قضاؤنا ويستند إليها تشريعنا ... فعلماؤنا الدينيون وقضاتنا التقليديون يرون أن كل تشريع وتنظيم لا يستمد أصوله وفروعه من الكتاب والسنة غير صالح لأن يساير تقاليدنا الإسلامية ويفي بحاجياتنا المشروعة ويحافظ على طابعنا القومي. وقد لاحظ كثير من هؤلاء العلماء والقضاة على وزارة العدل اتجاهها لإصلاح المحاكم العادية وجعلها بمثابة النقطة المركزية في القضاء المغربي على حساب المحاكم الشرعية التي لم ينلها - كما يقولون- إلا بقدر ضئيل من الإصلاح فهم لا يلبثون يطلبون بأن تصبح المحكمة «الشرعية» هي حجرة الزاوية في النظام القضائي وأن يكون الفقه الإسلامي هو القانون الوحيد الذي تحكم به المحاكم في المغرب وأن يكون (القاضي الشرعي) هو الحاكم المختص لتطبيق جميع قواعد التشريع وبعبارة فهم يريدون الرجوع إلى الأصل مقدما ثم التطرق من بعد إلى الإصلاح والتوسع والتوحيد في المحكمة والقانون.

ولا مجال هنا لانتقاد هذه النظرية أو للتعريف بسياسة الوزارة في الخطة التي تنهجها لإصلاح القضاء (1) وإنما أردنا أن نذكر بإحدى طرق الاتجاه في ميدان بعث القضاء والقانون في بلادنا.

أما المثقفون الذين تلقوا دراستهم حسب المناهج العصرية ودرسوا القوانين الأجنبية فقد يرون أن لا سبيل إلى إقرار نظام قضائي صحيح وتشريع يساير مقتضيات العصران نحن لم ننبذ قضاءنا التقليدي وتشريعاتنا (العتيقة) نبذا تاما ونستعض مكانها بنظام قضائي حديث وقوانين جديدة تنبني أسسها المعنوية على مبادئ فلسفية لا تمت بصلة إلى الدين ولا تتصل في شيء بالتقاليد التيوكراسية وبعبارة فهم يريدون أن نقلد هنا بالمغرب التنظيمات القضائية والتشريعات المأخوذ بها في البلاد الغربية لا أقل ولا أكثر ذلك لأنهم يرمون الفقه الإسلامي بالجمود والتحجر والقصور لأداء مهمة القضاء والتشريع الكفيلة بإرضاء رغبات جمهور عصر الذرة والصاروخ. فقد قرأوا فولتير وديكارت وتلقوا عنهما طرق التفكير ومناهج الاستدلال والاستنتاج ودرسوا (روح القوانين) لمنتسكيو وتشبعوا بنظرياته في نظام الحكم والدولة ومبادئ التشريع ولم يتجهوا لدراسة الفقه الإسلامي وتحليل مبادئه الأساسية وأحكامه العملية وموقفه إزاء التشريعات الغربية قبل أن يحكموا عليه سلفا بالتحجر وعدم ملاءمته للحياة العصرية.

وهنا نحيط بمشكل من المشاكل التي خلفها لنا الاستعمار وهو مشكل التفرقة الثقافية لا من حيث تعدد اللغات فحسب بل وحتى من حيث تنوع المشارب والنزعات الفلسفية وتباين اساليب التفكير ووسائل العمل وحرية البحث ... فقد يصعب عليك أن تدعو

(1) راجع في هذا الموضوع ما كتبه حماد العراقي في مجلة القضاء والقانون صحيفة 531.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧٣١