المثقفين من شبابنا ثقافة غربية إلى اعتناق نظرية فقهية من نظريات الإمام مالك أو نظرية في القانون العام من نظريات الموردي. بقدر ما يصعب عليك أن تهيب بعلمائنا الدينيين إلى اعتناق فكرة من أفكار منتسكيو حول الدولة أو التنظيم القضائي أو مبادئ التشريع مهما بلغت هذه الفكرة من سلامة الذوق وسمو المنطق وعدم المساس بالعقيدة الإسلامية فكل فكرة من هذا القبيل تظل في نظرهم أجنبية غريبة وبالتالي غير صالحة للحياة الإسلامية مثل ما لا تعدو نظريات مالك والماوردي في نظر المثقفين ثقافة عصرية أن تكون رموزا وأسرارا يتبرك بها وغير قابلة حتى للدراسة والتحليل فضلا عن أن تكون صالحة لأن يعمل بها في هذا العصر!
أما أن يروح السلفيون من علمائنا إلى المطالبة بتطبيق المبادئ الإسلامية وجعل الكتاب والسنة أساسا للقضاء والقانون فذلك ما لا ينبغي أن يعاب عليهم إذ هو طبيعي بالنسبة لأمة إسلامية كالأمة العربية وجدير بتلاقي ما وقع في بعض الأقطار الشرقية من إهمال القضاء القومي ونبذه نبذا تاما فإنه استجابة لهذه الرغبة العزيزة قد أولت وزارة العدل عنايتها لإصلاح محاكم القضاء والمحافظة على التشريع الإسلامي في إطاره السلفي وعملت على وضع مدونة الفقه الإسلامي ومسطرة قضائية تقي تلك المحاكم من الفوضى والارتباك التي عاشتها طيلة سنين فالوزارة ترمي من وراء هذه المرحلة الأولى في الإصلاح إلى الاحتفاظ لتلك المحاكم بطابعها الخاص وكيانها المعنوي نظرا لما يوليه جلالة الملك من عظيم العناية والاهتمام بكل ما يتعلق بأحكام الشرع والمحافظة على القيم الدينية والقومية «على أن النظام الذي سيتم لوزارة العدل قريبا تطبيقه في البلاد سوف لا يترك إلا نوعا واحدا من المحاكم في درجات مختلفة تنظر في جميع الدعاوي دون ما تمييز وسيكون توزيع الأعمال داخل الغرف والأقسام التي تتألف منها كل محكمة مبنيا على أساس مهني لا غير يراعى فيه تخصيص القضاة ومصلحة تسيير العدالة طبقا للأنظمة الداخلية لكل محكمة» (2) فليطمئن قضاتنا التقليديون وعلماؤنا السلفيون وليدركوا بأن لا مبرر ولا أساس لما يروجه بعضهم من دعاية هدامة وتهريج حول ما يسمونه بإلحاق المحاكم (الشرعية) بالمحاكم (العادية) فسوف لا تبقى هناك محكمة (شرعية) وأخرى (غير شرعية؟) إلا في نظر المتعصبين منهم. هذا وأن الخطة التي تنهجها وزارة العدل من جعل القانون العام في المغرب مستمدا في روحه من التشريع الإسلامي لخير ضمان يطمئن إليه مصير الفقه الإسلامي في بلادنا ويجعل تشريعنا قابلا للتوسع والتطور والتغذية بكل ما كان صالحا من أنظمة الغرب القضائية والقانونية.
أما أن يتنكر بعض المثقفين منا ثقافة غربية لقيمهم الدينية ولتقاليدهم فيرمون الفقه الإسلامي بالتحجر والقصور ويريدون إبعاد الناس عن حظيرة الشرع «لعدم ملائمته للحياة العصرية» ويدعون لتقليد الغرب في أنظمته القضائية والتشريعية تقليدا أعمى فذلك مما يعاب على جيل لم يتلق التوجيه الثقافي الصالح لمستقبل البلاد، فاعتقادهم هذا وإن كان سليما في حد ذاته (يهدفون من ورائه إلى تقدم البلاد بالسرعة الملائمة للعصر) فهو اعتقاد سلبي لا يقوم على الاقتناع الصادر عن الدرس الشامل الصحيح والمقارنة النزيهة لأصول التشريع ومبرراته وتطوراته في الشرق والغرب، فهم اقتصروا على ما درسوه من مبادئ القانون ومدوناته في الغرب ولم يولوا عنايتهم لدراسة التشريع الإسلامي الغربي عن ذلك ببعض المعلومات قلدوا فيها هذا المؤلف الغربي أو ذاك واعتنقوا حول الفقه الإسلامي أفكارا لمجرد أنهم وجدوها في كتب الغرب وهكذا أصبحوا مقتنعين ومتشبثين بكل ما قاله الفلاسفة العلمانيون في أوربا عن مبادئ الدولة والقانون ومحشوي الذهن بأخطاء فادحة عن الفقه الإسلامي لمجرد أن هذا النوع من التشريع مستمد من كتاب منزل فهو قانون دولة تيوكراسية ( Théocratie) والدولة التيوكراسية في نظر هؤلاء الفلاسفة كمنتسكيو ( Montesquieu) وبرودون ( Proudhon) أصل السلطة المستبدة والحكم الجائر.
وهنا أريد أن أوجه سؤالين إلى شبابنا المثقف ثقافة عصرية وخاصة منهم من ينتسبون للعائلة القضائية وأرجو أن لا أضايقهم:
أولا - هل أنتم متفقون مع منتسكيو (3) في كل ما قرره ودعا إليه في كتابه (روح القوانين) Esprit des lois وبالأخص هل أنتم موافقون على ما احتوى عليه هذا
(2) الأستاذ حماد العراقي: مجلة القضاء والقانون عدد 17 صحيفة 536.
(3) انظر (روح القوانين) لمنتسكيو - الباب الخامس من الكتاب الثاني والباب التاسع من الكتاب الثالث والباب الرابع عشر من الكتاب الخامس.