تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وموضوع الدلالة وتطورها لم يكن واضحا بهذا الشكل في جهود الأقدمين ممن اهتم بمعاني الألفاظ كما بينا ذلك. وقد كتب الشيخ أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي المتوفى سنة 322هـ كتابه الذي أسماه بـ «كتاب الزينة»، وقد بحث فيه معاني الكلمات التي تغيرت مدلولاتها في العصر الإسلامي عما كانت في العصر الجاهلي، فهو يبدأ أحيانا بشرح الكلمة كما كانت مفهومة عند العرب قبل الإسلام ثم يعود فيشرحها كما وردت في القرآن والحديث، ويورد في ذلك آراء اللغويين والنحويين المتقدمين. وربما لم يتقيد بالتسلسل التاريخي، بل يبدأ بمدلولها الإسلامي ويستشهد على ذلك القرآن والحديث قبل أن يحتج بالشعر واللغة، وكثيرا ما يفسر الكلمات تفسيرا لغويا صرفا.

وصاحب الزينة في هذا الكتاب معني بالألفاظ التي شاعت في بحوث علماء العربية وأهل التفسير والتي أخذت لون الاصطلاح العلمي، وبهذا يكون من أوائل الذين بحثوا في تطور الدلالات في العلوم الإسلامية. ولا نريد أن نبحث في هذا الكتاب لأنه لم يكن من غرضنا أن ندخل في هذا الباب.

ولكني مهدت بهذه المقدمة لا قول كلمتي التي أردت أن أعقد عليها هذه المقالة، وذلك أن للإسلام مصطلحات وألفاظا خاصة به التزم بها المسلمون وشاعت في أقوالهم وكتاباتهم. بيد أن الذي أثار استغرابي وعجبي الشديدين أني وجدت في مجلتكم العامرة «دعوة الحق» في العدد الثامن من السنة الثالثة ذو القعدة 1379 شيئا يبتعد عن هذا الالتزام بالألفاظ الإسلامية التي أخذ المسلمون أنفسهم بها منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا. والمجلة تدعو للحق، وتعنى بالدراسات الإسلامية وتصدرها وزارة الأوقاف في الرباط من بلاد المغرب العزيزة علينا. والشيء الذي وجدته هو في صورة الغلاف وكان ذلك صورة لمئذنة جامع الكتبية وقد كتب تحت الصورة (صومعة الكتبية)، والذي اعرفه أن المسلمين ما اعتادوا في تاريخهم الطويل أن يستعملوا هذه الكلمة النصرانية كما سأبين ذلك. والكلمة ما زالت بهذا المعنى عندنا معاشر المشارقة. ومن أجل ذلك أحببت أن أكتب هذه الكلمة الموجزة لمجلتكم الزاهرة إن سمحتم بذلك، وأنا مدفوع بقوله تعالى: «فذكر إن نفعت الذكرى»، وقوله جل شأنه: «وذكر فإن الذكرى تنفع المومنين».

وقع بصري على هذه الكلمة مستعملة هذا الاستعمال فاستكبرت الأمر، ثم عرفت أن الكلمة مستعملة في جميع ديار الشمالي الإفريقي، وكنت أظن أن الكلمة من الكلمات السريانية التي استعملتها العربية وشاعت فيها، ولكن البحث هداني إلى أنها عربية وأن مادة «صمع» في معجمات اللغة المطولات تعني «العلو والارتفاع»، والكلمة من الكلمات التي استعملها القرآن، فقد وردت في قوله تعالى: «ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد ... » والصوامع في هذه الآية هي صوامع الرهبان، والبيع جمع بيعة وهي للنصارى أيضا، أما الصلوات فهي لليهود على رأي الزمخشري2). والبيعة من الكلمات السريانية التي استعملتها العربية، والكلمة مركبة من جزئين وهما (بيت عدنا) ثم حصل الإدغام فصارتا (بيعة) والياء الأولى في كثير من الألفاظ السريانية تشير إلى «البيت» وهو المعنى المعروف. أما «الصلوات» وهي كلمة سريانية وأن نص الزمخشري على عبرانيتها، وتعني أماكن العبادة عندهم.

وقد شاعت كلمة «الصومعة» وهي مكان الرهبان - في النصوص الأدبية القديمة فقد جاء في أبيات لابن المعتز يذكر فيها دير العذارى والصوامع فيه -.

ألا رب أيام مضين حميدة

بدير العذارى والصوامع والقصر3

ولأبي نواس قصيدة يصف فيها دير فيق اذ يقول فيها:

بمريم بالمسيح وكل حبر

حواري على دين وثيق

برهان الصوامع في ذراها

أقاموا ثم في جهد وضيق4)

والقصيدة حافلة بالألفاظ السريانية التي استعملت في العربية.

ونصوص الأدب القديم قد استعملت الصومعة في هذا المكان المشار إليه. ولعل في هذه الموضوعات فائدة لغوية، والتفاتة تاريخية والسلام.

1) سورة الحج 40.

2) الزمخشري، الكشاف 3/ 160 (مطبعة الاستقامة 1946).

3) الشابشتي، الديارات 70.

4) الشابشتي، الديارات 131.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧٢٨