دعوة الحق، س.4، ع1 /أكتوبر 1960 .................... ص 23
الألفاظ الإسلامية
للدكتور: إبراهيم السامرائي
كان ظهور الإسلام حدثا خطيرا، فهو تبدل حضاري للمجتمع البدائي المربي، وهو لون جديد من الحضارة للشعوب غير العربية التي نشر الإسلام فيها لواءه. والحضارة الجديدة التي جاء بها الإسلام تقوم على ثقافة من نوع جديد، نتلمسها في مصادر الإسلام من القرآن والسنة النبوية.
والباحث في الثقافة الإسلامية ملزم أن يتوجه إلى علوم القرآن، ولقد كان هذا سبيل هذه الثقافة الجديدة ولعل في علوم القرآن البداية لطالب الدرس والبحث حيث تؤدي به هذه الدراسة إلى علوم ومجالات ثقافية عدة. ومن أجل ذلك عني جمهور العلماء الباحثين في علوم القرآن، بموضوع ألفاظ، واكتسب هذا البحث مسألة «المجاز في القرآن» والمقصود بالمجاز في هذه الدراسة البحث في معاني القرآن. ولقد اتصف البحث في لغة القرآن بأوصاف مختلفة، فهو تارة يتجه نحو الغريب، وذلك كما في الدراسات الكثيرة التي اتخذت غريب القرآن موضوعا، كما في كتب «الغريب» المعروفة، ومنهم من التزم «بالمشكل» من هذه الألفاظ، ومنهم من بحث في «معاني القرآن» بوجه عام.
ويؤلف موضوع ألفاظ القرآن بحثا فنيا في مادة «المصطلح العلمي» ولعل أول انتقال في اللغة من يسرها وسهولتها إلى التعقيد والتركيب، قد حصل في هذا الانتقال الاصطلاحي الإسلامي، ومن هنا كان الحدث القرآني تبدلا عظيما في تاريخ اللغة العربية، ذلك أن لغة القرآن ببلاغتها وبهذا الانتقال الاصطلاحي تؤلف مرحلة لغوية تاريخية عظيمة الأثر في حياة اللغة العربية.
ولقد أدى البحث في معاني القرآن إلى البحث في ألفاظ الحديث، وحدث في هذه المادة ما حدث في القرآن، فقد ألف العلماء في «الغريبين» معا ومنهم من كتب في «المجازات النبوية»، ومنهم من يحث في معاني الحديث بوجه عام، والمعروف أن الذين بحثوا في القرآن، عكفوا على الحديث الشريف في دراسات وبحوث مفصلة، وقد اتخذ البحث في الحديث سبيلا كالذي اعتمدوه في دراسة القرآن، ومعنى ذلك أن ألفاظ الحديث تعد تطورا جديدا في حياة اللغة العربية.
والبحث في الألفاظ هو بحث في الدلالة ( sémantique) وهذا النوع من البحث اللغوي الجديد، وهو باب في «علم اللغة التاريخي» ( Linguistique Historique) وقد بدأ هذا النوع من الدراسات بالرسالة التي نشرها العالم اللغوي الفرنسي ( M.Bréal) وذلك في سنة 1897 وكان عنوان هذه الّرسالة ( Essai de Sémantique) ثم قامت السيدة الإنجليزية ويلبي ( Lady Welby) في الموسوعة البريطانية (الطبعة الحادية عشرة) بتوسيع موضوع بحثها وسمته ( Signifies) أي علم معاني الألفاظ، وذلك أنها أدخلت في أبحاثها هذه عناصر تطبيق نظريات العلم في جميع أطوار النشاط الفكري وفي لغة التخاطب والكتابة. ثم نشط علماء الغرب في هذا الميدان في القرنين التاسع عشر والعشرين فعنوا بدراسة تطور اللغات وعلاقاتها بالمدنية والحضارة، ذلك أن اللغة من أهم الوسائل لتقدير حضارة من الحضارات، وهذا النوع من البحث من البحوث التاريخية العامة لتفهم نشاط الإنسان وانتقاله من الحضارات عبر العصور، ومن أجل هذا تضافر على هذه البحوث نفر كبير من ذوي الاختصاص، فيهم اللغوي، والعالم الاجتماعي والمختص بعلم «الانتروبولوجي» والعالم النفساني.