تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع1 /أكتوبر 1960 .................... ص 10

دواء الشاكين وقامع المشككين

للدكتور تقي الدين الهلالي

-8 -

التعليق: الجنس الأبيض

جاء في كتاب (ليس الإنسان مهملا، لكريس مورسن) إن الإنسان يمكن أن يترقى باتباع دماغه وسمو فكره وحينئذ تتحقق فكرة المدنية الفاضلة التي ذكرها الفيلسوف المغربي ابن باجة في بعض تآليفه. ثم قال أن الجنس الأبيض متفوق في الوقت الحاضر، ولعله يلمح بذلك إلى أن الإنسان الكامل (سوبرمان) قد يكون من الجنس الأبيض ويكون هو الصالح للبقاء وتنقرض الأجناس الأخرى كالصينيين واليابانيين والأندونيسيين والهنود السمر والحمر والإفريقيين السود، ويبقى الأشكال في الأمم المتصفة بالبياض وليست أوربية ولا أمريكية كالأتراك والفرس وأكثر العرب والجراكسة والبلوجستانية بل وبعض الأوربيين المتصفين بالسمرة في جنوب أوربا، لا يعرف مصيرهم أيقصر عليهم تطبيقا لقانون بقاء الأصلح أم يشفع لهم أخوانهم ويكون الحكم للغالب.

فإذا كان الأمر كذلك فما المانع من دخول الأمم المتصفة بالبياض وهي غير أوربية ولا أمريكية فإن كان سر الترقي كامنا في اللون وحده فلا فرق بين أبيض وأبيض، وإن كان السر كامنا في كونهم أوربيين كيفما كان لونهم فلماذا لم يتفوقوا في الزمان الغابر حين ازدهرت المدنية الصينية والهندية والأشورية والبابلية والقبطية والفينيقية وأخيرا العربية، وفي كل ذلك كان الأوربيون يغطون في نومهم ويتخبطون في أوحال جهلهم وتوحشهم وأين كانت أدمغتهم الراقية المخلوقة من نور؟ وكيف طرأ عليها التبدل بعد مضي تلك الأحقاب والأزمان المتطاولة؟ وهل احتقار الأجناس الأخرى كالأسيويين والإفريقيين وهنود أمريكا واختطاف الزنوج من ديارهم وجلبهم إلى أمريكا ومعاملتهم معاملة الحيوان الأعجم والاستعمار وما أدراك ما الاستعمار قتل الشعوب الآمنة في عقر ديارها واستعبادها واغتصاب أموالها وتسخيرها في خدمة اللص المستعمر، وتطبيق التمييز العنصري كذلك من وحي هذه الأدمغة العبقرية؟ وما أحسن ما قال الشاعر:

إذا لم تخش عاقبة الليالي

ولم تستحي فاصنع ما تشاء

فلا والله ما في الدين خير

ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

وهذه الفكرة الكاذبة الخاطئة مستولية على عقول الأوربيين، عالمهم وجاهلهم وذكيهم وغبيهم وسادتهم وسوقتهم، حتى أن العالم الشهير المؤلف كارل بروكلمان تورط فيها، فنقل من ترجمة تاريخ الهند للعالم الفيلسوف الكبير أبي الريحان محمد بن أحمد البيروني لمترجمه مارتين هارتمان أكاذيب اخترعها هذا الأخير منها أن البيروني كان مسلما في الظاهر فقط ولم يكن مسلما في الباطن لأن علمه وعقله أجل من أن يقبل الإسلام، ومنها أنه كان شيعيا في أول الأمر فلما اجتمع بالسلطان محمد بن الغزنوي صار سنيا، ومنها أنه كان فارسيا متعصبا لدولة الساسانيين التي قضى عليها العرب وكان يبغض العرب، ويحتقر علومهم، وهنا زاد الناقل كارل بروكلمان (بحق) انتهى كلامهما بنصه وفصه مترجما بحروفه، وقد نقلت كلام هارتمان بنصه الإنجليزي، وكلام بروكمان بنصه الألماني، ورددت عليه في رسالتي التي قدمتها في جامعة برلين، وأحرزت بها لقب دكتور في الفلسفة على حد تعبير الأوربيين وفي الأدب على حد اصطلاح العرب. وقد ناقش هذه الرسالة عشرة من علماء جامعة برلين أحدهم أستاذي المرشد رشارد هارتمان فوافقوا بالاجماع على ردي لتلك الترهات التي اخترعها مارتين هارتمان واستحسنها بروكمان وسود بها صحائف كتابه (تاريخ الأدب العربي) وزاد عليها تلك الكلمة الإجرامية وهي قوله (بحق)، اقترف ذلك تزلفا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧١٤