تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لحزب هتلر النازي، وزعم بروكلمان أن البيروني كان يفتخر بآريته، يعني لأنه فارسي فهو يتصل بالنسب الآري الذي يعتز به هتلر وحزبه، وكان بزعمه يبغض العرب ويحتقر علومهم (بحق) لأنهم ساميون، ولم يكن في إمكاني حينئذ أن أرد عليه في هذا الزعم الأخير لأني كنت في عاصمة البلاد الألمانية في حكم هتلر الذي يدعي له مضلله رورتبرك، أن البشر ينقسمون إلى قسمين: قسم آري وهو الأعلى الكامل الذي انشأ المدنية، واكتشف المكتشفات واخترع المخترعات، وأنشأ العلوم وحملها بجدارة واستحقاق، وهو الذي يستحق أن يسود ويقود، وقسم غير آري وهو بضد ذلك غير صالح لإنشاء المدنية والعلم ولا لحملهما، وحقه أن يستعمر، ويجب على الجنس الآري أن يسخره ويقوم بتغذيته والمحافظة على صحته والعدل بين أفراده ووضع مناهج العمل له.

وكان العلماء الألمانيون يكفرون بهذا الرأي ويستهجنونه، ولما اشتدت وطأة الحكم الهتليري ما كان أحد يستطيع أن يجهر بمعارضته، كما أنه لم يتنزل أحدا من العلماء لاظهار الموافقة عليه إلا النادر، ومن هذا النادر بروكلمان.

وكان الأستاذ باولكالي قد اقترح على ترجمة مقدمة كتاب الجماهير في الجواهر للبيروني مع التعليق عليها ليكون ذلك موضوعا لرسالة امتحان شهادة الدكتورة التحريري فترجمت المقدمة وعلقت عليها، ولما فر الأستاذ باول كالي من حكومة هتلر إلى بريطانية في أول سنة 1939 انتقلت من جامعة بون إلى جامعة برلين وأتممت دراستي على يد الأستاذ رشارد هارتمان، لم أجد في تلك المقدمة شيئا أولى بالتعليق من تلك المفتريات التي اختلقها عدو الإسلام والعرب مارتين هارتمان وأقرها وزاد فيها بروكلمان فتجردت لردها وقضيت عليها بالبراهين القاطعة من كلام البيروني نفسه في تآليفه، فغضب على بروكلمان لأنه ظن أن الجو خلا له فأخذ يبيض ويصفر، وينقر ما شاء أن ينقر وحسب أن المسلمين والعرب نائمون في غفلة عن مكايده، ومكايد أستاذه الذي نقل عنه ذلك الهراء (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) ولهما الويل مما يصفان ويحق للعلماء الألمانيين العشرة الذين ناقشوا رسالتي وحكموا لي على أشهر مؤلف في هذا العصر من المستشرقين لا في ألمانيا وحدها بل في سائر البلاد الأوربية يحق لهم أن يفخروا بحرية الفكر ونصر الحق بقطع النظر عن قائله وهو طالب عربي غريب، ولا مجال هنا لتفصيل ذلك الرد لطوله، ولكني أذكر عبارة شاذة فلذة قالها البيروني في كتاب الصيدلة الذي ألفه في شرح مفردات الأدوية، وقد قال فيه، أن الصواب في هذه الكلمة هو الصيدنة بالنون لا باللام كما هو مشهور، والكلمة التي قالها البيروني في تفضيل اللغة العربية على اللغة الفارسية هي قوله: (أنا لا أحسن اللغة العربية ولا الفارسية ولكن الهجو بالعربية خير لي من المدح بالفارسية) يعني أنه يفضل أن يهجي بالعربية على أن يمدح بالفارسية، وهذه غاية المبالغة في حب العرب ولغتهم حبا يزيد على حب العرب أنفسهم للغتهم، وخصوصا في هذا الزمان الذي طغى فيه الاستعمار الروحي يله المادي ولا سيما في هذا الوطن المغربي المنكوب الذي نرى أبناءه يتراطنون بلغة الاستعمار فيما بينهم بدون ضرورة، شيء يدمي القلوب ويشمت الأعداء ويسوء الأصدقاء، قبل شهرين كنت راجعا من فاس إلى مكناس بعد إلقاء درس الوعظ في جامع الأندلسن فبينما أنا في أثناء الطريق إذا بجماعة من رجال الدرك قد استوقفت السيارات وأخذت تجري عليها امتحانا دقيقا، فمنها شقي وسعيد، فبعض السيارات نجحت في الامتحان فسمحوا لها باستئناف السير وبعضها عثر جدها فرسبت وبقيت محبوسة تنتظر العقاب، وكانت سيارتي من الناجحات فاستأنفتا السير في ذلك الليل البهيم، فلم يمض إلا قليل حتى اعترضت طريقنا جماعة أخرى من رجال الدرك وأرادوا إجراء الامتحان مرة أخرى فاخبرناهم أن السيارة قد امتحنت بفحص أوراقها وأدواتها قبل عشر دقائق فنجحت، فلم يقبلوا وأصروا على إعادة الامتحان فأعادوه فظهر لهم أن الضوء الأحمر الخلفي الذي يعطي الإشارات للسيارات الآتية من الوراء متوقف فقالوا أصلحوه أو ادفعوا ألف فرنك غرامة نقدا أو تسجل عليكم قضية مخالفة، فقلت لهم سجلوا وكان أحدهم يتكلم مع صاحبه فأراد أن يودعه فقال له بالعجمية: (بون نوي).

وكنت مغتاظا عليه فوجدت فرصة للكلام فقلت له: لغة الاستعمار حلوة لذيذة لا تستطيعون أن تفطموا أنفسكم عنها؟ فقال لي: كيف كيف؟ يعني أن الكلام بالعربية والفرنسية سواء. فقلت له: هذا مسخ ودناءة وخزي وعار، وهل يوجد على وجه الأرض شخص عنده شرف وذرة من الوطنية يسوي بين لغة قومه ولغة الاستعمار. فقال لي: إن هذه اللغة هي الرسمية عندنا في عملنا.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧١٥