سيهئونه من التاريخ الخاص لكل ناحية، مراجع عظيمة، سيتكئ عليها الذين سيتصدون للتاريخ العام المستوعب في العالم العربي المغربي غدا، بله الحوادث والأطوار المتقلبة، وما هذا الغد ببعيد، وتباشير فجره تلوح الآن في الأفق.
قد يخطر في بال بعض الناس القصيري النظر: أن السجلماسي أو الدكالي -مثلا- إذا تصدى كل واحد منهما لمثل هذا البحث في ناحيته، ان ذلك من العنصرية الممقوتة التي لا يزال المستعمرون أمس يضربون في كل فرصة على وترها لجعل المغرب أشلاء ممزعة، مع أن هذا العمل ليس من العنصرية في شيء، فهل إذا توفر الطبيب للتخصص في بحث ما حول عضو من أعضاء الذات، نلمزه بالعنصرية إزاء الأعضاء الأخرى؟ وهل إذا قام رب أسرة بكل ما تحتاج إليه أسرته بالإنفاق عليها وحدها، وبالدفاع عن حقوقها، وتحديد أملاكها الخاصة يلمز أيضا بالعنصرية؟ أو هل الذين كتبوا عن فاس ومراكش وآسفي وطنجة وتطوان والعدوتين، وخصصوا كل مدينة على حدة، يلمزون بالعنصرية؟ إن هذا لخطل في الرأي، وخطأ في تقدير الأعمال، وسد للأبواب دون العاملين في ميدان خاص، وتثبيط لأعمال المجتهدين.
إن لليوم غدا، وان في الميدان لا فراسا مطلقة، وان أبواب العمل مفتوحة على مصاريعها أمام كل من يريد أن يعمل في أي ميدان من الميادين. وقد زالت الاعذار بالاستقلال. وامكن لكل ذي عزيمة أن يعمل فهل للكسالى أن ينتفضوا فيدخلوا في غمار العاملين. عوض أن يملأوا الجواء بالنقد الزائف، والأعذار الواهية. فعند الممات تظهر التركات، وإنما الأعمال بالنيات، ومن أبطأ به عمله، فلا يلومن إلا نفسه:
اقلوا عليهم لا ابا لابيكم
من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
هذا وانني -انا ذلك السوسي المولع بالتاريخ منذ نشأته- لا بذل كل ما في إمكاني للكتابة عن بادية سوس، منذ نفيت إليها في مختتم: 1355هـ. إلى أن أفرج عني الافراج التام في مختتم 1364هـ. توفرت على ذلك، وجمعت فيه جهودي ومن لم يتوفر على شيء ويجمع فيه جهوده، فقلما يعطيه حقه من البحث، فقد سودت في (الغ) مسقط رأسي، حيث الزمت العزلة عن الناس، أجزاء كثيرة تناهز خمسين جزءا في العلماء والأدباء والرؤساء والأخبار والنوادر، والهيأة الاجتماعية، وما هذا الكتاب (سوس العالمة) إلا واحد من تلك الأجزاء، وكلها مقصورة على أداء الواجب علي، من إحياء تلك البادية التي سبقق في الأزل أن كنت ابنا من أبنائها، ويعلم الله أنه لو قدر لي أن أكون ابن تافيلالت أو درعة أو الريف أو جبالة أو الأطلس أو تادلة أو دكالة، لرأيت الواجب علي أن أقوم بمثل هذا العمل نفسه، لتلك الناحية التي تنبت نبعتي فيها، لأنني من الذين يرون المغرب جزءا لا يتجزأ، بل أرى العالم العربي كله، من ضفاف الأطلسي إلى ضفاف الرافدين وطنا واحدا، بل أرى جميع بلاد الإسلام كتلة متراصة من غرب شمال إفريقيا إلى أندونيسية، لا يدين بدين الإسلام الحق من يراها بعين الوطنية الضيقة التي هي من بقايا الاستعمار الغربي في الشرق، بل لو شئت أن أقول -ويؤيدني ديني فيما أقول-: انني أرى الانسانية جمعاء أسرة واحدة، لا فضل فيها لعربي على عجمي إلا بالتقوى، والناس من آدم، وآدم من تراب (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
ايه فهذه سوس وجدت من هذا السوسي من يبذل جهوده حول إحياء تاريخ بعض رجالاتها، فليت شعري هل تجد تلك البوادي الأخرى، بل وبعض الحواضر التي لم يكتب عنها بعد أي شيء. من تثور فيه الحمية المحمودة، -وفي ذلك فليتنافس المتنافسون- فيفتح لنا الأبواب التي نراها لا تزال موصدة؟ اننا أيها الفيلالي والدرعي والريفي والجبالي والأطلسي والتادلي والدكالي لمنتظرون. أم يذهب هطا النداء كصرخة الوادي بين ثنايا الصدى؟
وبعد:
فان تاريخنا لم يكتب بعد كما ينبغي، حتى في الحواضر التي كتب عنها كثيرون قديما وحديثا، فهذه مراكش التي كتب عن رجالاتها الزائرين والساكنين شيخنا سيدي عباس، لم تفز بعد بمن يكتب عن نواح شتى من أدوارها التي تقلبت فيها، وقد كنت اجمع كتابا في ذلك سميته (مراكش في عصرها الذهبي) مشيت فيه خطوات، ومقصودي اظهار مراكش كما هي سياسيا وعلميا وأدبيا واجتماعيا في عصر المرابطين والموحدين، وبينما أنا مكب على جمع المواد -وما أكثرها- بمناسبة استيفاء مراكش اذ ذاك سنة 1954هـ تسعمائة سنة، اذا بالنفي مختتم 1355 نادى مناديه، فتركت على رغمي الكتابة حول مراكش الذهبية التي هي العاصمة العظيمة للمغرب ردحا من الزمان إلى الكتابة حول تلكم القبائل التي تكانف هذه القرية الساذجة المغمورة (الغ) (ولو خيرت لاخترت) فقدر لبني هذه القرية ومجاوريهم ولأساتذتهم