تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولتلاميذهم ولأصدقائهم كتاب (المعسول) الذي يصل الآن -وقد كاد يتم تخريجه- عشرين جزءا، حوول فيه أن يكتب بإسهاب كل ما أمكن عن السوسيين بأدنى مناسبة، ثم ليس ذلك كله بالتاريخ المطلوب عن سوس، وإنما المقصود جمع المواد لمن سيكتبون وينظمون غدا، وهذا هو الواجب الآن علينا. وأما أن ندعي أننا حقيقة نكتب التاريخ كما ينبغي، فإن ذلك افك صراح، أولا ترى أن كل من عرف فاسا وما أدراك ما فاس، واستحضر ما كتب حولها من القرن الرابع إلى الآن كتابة ناقصة مجحفة، وقد أدرك الدور العظيم الذي مثلته فاس لا في المغرب ولا في شمال إفريقية وإزاء الأندلس فحسب، بل وفي العالم الإسلامي أجمع -يوقن أن تاريخها لم يكتب بعد كما يجب أن يكتب، فكثيرا ما أقول لو تصدى باحث أو باحثون لكتابة تاريخ فاس من نواحيها كلها، لفتحوا صفحة عربية ذهبية وهاجة طافحة، ربما تنسي كل ما كتب عن بغداد ودمشق والقاهرة. فهذا تاريخ تطوان لأخينا الأستاذ محمد داود المستوفي ثماني مجلدات -وهو التاريخ الوحيد المستوفي ثماني مجلدات- وهو التاريخ الوحيد المستوفي لكل جوانب التاريخ المطلوب عن إحدى مدننا- قد كتب عن مدينة ربما كان جانب خاص من جوانب فاس اطفح وأعظم من جميع جوانب تطوان في أدوار حياتها، ولكن حسن التنسيق من المؤلف، والأكباب على جمع النظائر، وحسن الترتيب، ومحاولة الاستيعاب، قد كست الكتاب حلة براقة أخاذة بأبصار المطالعين، ومن لنا بمثله عن فاس الماجدة العظيمة التي هي فاسنا كلنا لا فاس سكانها وحدهم، لأن فاس، فاس العلم والفكر والحضارة، لا فاس شيء آخر، وأن تاريخ المغرب الثقافي العام ليكاد كله يكون كجوانب الرحى حول قطب فاس، فها أنذا أعلن عن سوس هذه التي أولعت بها، أن أول عالم سوسي عرفته سوس فيما نعلمه هو وجاك، وهل هو إلا تلميذ أبي عمران الفاسي، وأنا هذا الذي أحس مني بهذه الهمة، هل كنت إلا تلميذ علماء آخرين وأجلهم وأكثرهم تأثيرا في حياتي الفكرية العلماء الفاسيون، وليس شعري كيف أكون لو لم اقض في فاس أربع سنوات قلبت حياتي وتفكيري ظهرا لبطن، ثم لم أفارقها إلا وأنا مجنون بالمعارف جنون قيس بن الملوح بليلاه، حتى نسيت بها كل شيء.

فهكذا فاس، فيه الأستاذة أمس واليوم، وكل أنحاء المغرب تلاميذ لها، ولعل القارئ عرف ما ذكره المراكشي الصميم صاحب (المعجب) عن فاس في وقت ازدهار مراكش في عصرها الذهبي من الإشادة بها، وتلك مزية كتبت لفاس من الأزل، فكانت أحق بها وأهلها، أفيجعل بمدينة مثل هذه تطفح بالشخصيات النادرة من العباقرة ما بين لغوي وأديب وطبيب وفيلسوف ومشرع ومصلح وسياسي وصوفي، زيادة عما مضى فيها من الحوادث التي كانت هي الحاسمة في كل أدوار الحوادث في المغرب كله، أن تبقى بلا تاريخ مفصل منظم، مع أن ذلك في دائرة الامكان؟

وبعد فليسمع صوت هذا السوسي كل جوانب المغرب من أعظم حاضرة إلى أصغر بادية، فلعل من يصيخون يندفعون إلى الميدان، فنرى لكل ناحية سجلا يضبط حوادثها، ويعرف برجالها، ويستقصي عاداتها، فيكون ذلك ادعى إلى وضع الأسس العامة أمام من سيبحثون في المغرب العام غدا على منضدة التاريخ المغربي العام.

ثم أقول لإخواننا السوسيين من الشبان: لا تظنوا أنني في كل ما سودته مما كتبته في مختلف تلك الأجزاء الخمسين مما خصص بالرجال أو بالحوادث أو بالرحلات أديت به حتى عشر المعشار من الواجب عن سوسهم، فإنني ما عدوت ان جمعت ما تيسر جمعا بسيطا كيفما اتفق، بقلم متعثر، وأسلوب لا يزال يتتبع خطا أساليب القرون الوسطى، إلا أنني لا أنكر أنني حاولت فتح الباب فبذلت جهدي، وأفرغت وسعي، فكم غلط لا بد أن يقع لي، وكم من تحريف أو تصحيف اسم لاجرم واقع فيه، فعليهم أن يقوموا ليستتموا وليصححوا الأغلاط، فهل من مجيب؟

وبعد، إليك أيها القارئ الكتاب الأول من تلك المجموعة التي تضم زهاء خمسين جزءا تحت أسماء مختلفة، التي تضم زهاء خمسين جزءا تحت أسماء مختلفة، فادع الله أن ييسر موالاة نشر تلك الكتب كلها بفضله وكرمه. على أنها لا تنشر إلا بتنشيطك وإقبالك عليها.

وقد كان ينبغي لهذا الجزء أن يخرج إلى الوجود منذ جمع سنة 1358هـ. ولكن تأخر خروجه فكان في تأخره فوائد منها تنقيحه والزيادة فيه بحسب الإمكان، وها هوذا الآن وفق ما تيسر لا على حسب ما ينبغي من التحرير. فما كان فيه من فائدة جديدة في عالم التاريخ المغربي ففضل من الله على مغربي لا يطول إخوانه بزيادة علم أو فضل، وما كان فيه من تقصير - وهو لا بد كائن- فإن التقصير من لوازم البشر. وأي عمل من أعمال البشر يسلم. فالله الموفق والستار للعيوب.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦٩١