تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجلة دعوة الحق س3، العدد الثاني

دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ص 1

بسم الله الرحمان الرحيم

كلمة العدد: عيد العرش

في اليوم الثامن عشر من شهر نونبر الجاري تحل الذكرى الثانية والثلاثون لارتقاء جلالة الملك سيدي محمد الخامس عرش المملكة المغربية، تلك الذكرى التي اصطلحنا على تسميتها بعيد العرش، والتي دأبنا منذ اثنين وثلاثين سنة على أن نتخذ من يومها عيدا وطنيا بكل ما تحمله كلمة العيد الوطني من المعاني والإيحاءات والأفكار والمشاعر.

والحقيقة أن عيد العرش في المغرب ليس مجرد فرصة للشعب المغربي ليظهر ما يكنه من الولاء والمحبة لعاهله الكريم، وما يجده من تعلق به وإيمان بعظمته؛ وإنما هو إلى جانب ذلك كله فرصة سنوية لاستعراض ذلك الشريط الهائل من أعمال البطولة النادرة، ذلك الشريط الذي اشتركنا جميعا في صنعه من دمائنا ودموعنا، من آمالنا والآمنا، مع تضحيات بالأنفس والأموال، من استعدادنا النادر لفتح صدورنا للرصاص، مادام ذلك هو الوسيلة الوحيدة لتخليصنا من قيود العبودية والمهانة والذل في ظل الاستعمار البغيض، وللبلوغ بنا إلى ما نصبو إليه من الإنعتاق والحرية.

لقد كان كفاحا مجيدا، قاده جلالة الملك نفسه لقد كان كفاحا مجيدا، قاده جلالة الملك نفسه بالحكمة والصبر والسياسة، حتى إذا استنفذت الحكمة أغراضها وبلغ الصبر مداه ولم تفد السياسة وحدها في علاج الداء المزمن الذي لا يزيد مع الأيام إلا استفحالا؛ قرر جلالته -كملك وقائد وزعيم ومواطن أول- أن يواجه التضحية الكبرى، وأن يقدم عرشه فداء لأمته، وان يضع شخصه الكريم وأشخاص جميع أفراد أسرته المحبوبة المحترمة رهن إشارة المصلحة العليا لبلاده، فإما حياة حرة كريمة للجميع، وأما استمرار في التضحية، ونكران للذات، وجهاد مستمر لا ينقطع، حتى تتحقق الأمنية الكبرى، وحتى يعلو صوت الحق على صوت الباطل، وحتى يرغم الاستعمار مكرها على الاعتراف للشعب المغربي بحقه الكامل في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية.

وهكذا قال محمد الخامس للاستعمار الفرنسي كلمته التاريخية القصيرة الحاسمة: لا.

كانت كلمة كافية لتذهب بالبقية الباقية مما كان الاستعمار يتظاهر به من الرشد والكياسة، كانت كلمة كافية لتزلزل عقل الاستعمار، وتسلمه إلى التخبط في ظلمات حالكة من العمي والضلال.

وأخيرا، وعندما آذنت شمس الاستعمار بالمغيب، أقدم في جرأة وارتجال على فعلته النكراء، وتطاولت يده الأثيمة إلى سيد البلاد وملكها وقائدها في معركة الحرية والكرامة، فلم تجد نفسها أمام رجل قد يقعد به عن الغايات المجيدة التي وضعها نصب عينيه تهالك على المال أو خلود إلى الراحة أو تعلق بأبهة الملك وجلال السلطان، وغنما وجدت مؤمنا صادقا، وقائدا شجاعا، وزعيما

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٣٧