تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجواب على هذا السؤال نستطيع أن نستخلصه بسهولة من أعمال فرنسا في أرض الجزائر، منذ شروعها في غزو بلادنا إلى حد اللحظة التي نعيشها، والتي يقوم فيها الكفاح بيننا وبينها:

أولا _ كانت فرنسا تهدف إلى إيجاد (متسع حيوي) على هذه الضفة الغربية من البحر الأبيض المتوسط التي لا تفصل بينها وبين أوربا إلا مسافة قصيرة، وفي ذلك تدعيم لسياستها وهيبتها لدى الدول والشعوب الأوربية، وفوق ذلك ما قدرت أنها تستطيع أن تستحوذ عليه من خيرات ارض من خزانة الدولة اثر احتلال العاصمة، وهذا الدافع سياسي واقتصادي في آن واحد، المشاريع الاستعمارية لا تقوم غالبا إلا على هذين الأساسين، وقد صرح الجنرال (جيرار) وزير الحربية الفرنسية آذ ذاك على اثر نزول قواته الغازية في الساحل الجزائري قائلا: (أن يرمي إلى فتح منفذ واسع لتصريف بضائعنا، وإيجاد مجالات واسعة للفائض من أهالينا، وتصدير منتجات صناعتنا وتبادلها مع منتوجات أخرى غريبة عن أرضنا وجونا ... )

وصرح وكيل العلاقات التجارية، مستحثا حكومته على غزو الجزائر، فقال: (إن المنافع المادية التي تعود على فرنسا من احتلال الجزائر_ بصرف النظر عن ملايين الفرنكات الذهبية التي تزخر بها الخزانة الجزائرية_ انفع وإحدى لفرنسا من كل عمليات الغزو الاقتصادي التي قامت بها حتى الآن ... )

اغتصاب الأرض:

وبعد أن رسخت أقدام الاستعمار الفرنسي في ارض الجزائر، عمد أقطابه إلى تطبيق عمليات رهيبة، ترتكز على سياسة عنصرية قاسية، يراد من ورائها إبادة شعب كامل عن طريق لتجويع و التفقير، وسلب كل ما في أيدي أبناء الوطن من أرض أو ثروة أو إمتاع، وإقصائهم بصفة جماعية نحو المناطق الصحراوية القاحلة، ليقضوا هناك جوعا وعطشا، ولذلك امتدت يد المستعمرين إلى مصادرة ملايين الهكتارات، من أجود وأخصب أنواع الأرض من ذويها، ومنحها دون مقابل لشراذم الأفاقيين النازحين من فرنسا الى الجزائر.

ويتجلى هذا العدوان الشنيع، في التصريح الذي ادلى به المرشال (بوجو) يوم 14 مايو سنة 1840 وهو من أبرز القواد العسكريين الذين قادوا حملة الغزو ضد الجزائر، قال: (في كل مكان، وحيثما وجدت الارض الطيبة الخصبة، يجب وضع المعمر فيها، دون السؤال عن أصحاب الارض ... )

غارة صليبية:

ثانيا: بالإضافة إلى ما أسلفت حول الباعث السياسي والاقتصادي الذي أغرى فرنسا باحتلال الجزائر، ويوجد عامل آخر له أهميته القصوى عند الفرنسيين الذين تميزوا دوما بتعصبهم الديني، ذلك هو العامل الصليبي ... الذي كان يستهدف من أول يوم استئصال شأفة المسلمين، ومحق الدين الإسلامي من الوجود، فالغزو الفرنسي لم يكن يرمي في حقيقته وأهدافه إلى الاستعباد السياسي، والاستغلال الاقتصادي فحسب، ولكنه كان يرمي أيضا إلى محو كل اثر للإسلام وتعاليمه ولغته، ويتضح هذا مما صرح به الدوق (دوكلير) أحد وزراء فرنسا إذ قال: (كان احتلالنا للجزائر أخد بثأر الإهانة التي لحقت بممثل فرنسا، وإرضاء للمسيحيين وذلك بإبادة المسلمين؟ اشد أعدائهم طغيانا) ويستطرد قائلا (ولسنا بحاجة إلى اقتناع جديد بأنه لا سبيل إلى استقرار الأمن في الجزائر، إلا بإبادة أهلها عن بكرة أبيهم ... )

وفي نداء موجه إلى المبشرين الذين رافقوا الجيش الفرنسي، ليقوموا بدور الغزو الروحي والمعنوي، إلى جانب الغزو العسكري، يقول في الجنرال (دوبرمون) (لقد جئتم لتعيدوا معنا فتح الباب على مصراعيه لتدخل المسيحية إلى إفريقيا، وأننا لكبير والأمل، أن تعم ديانتنا هذه الربوع قريبا)

هذه هي السياسة العنصرية الفظيعة، التي انتهجتها فرنسا، من أول يوم وطئت فيه أقدامها أرض وطننا، وهي سياسة قائمة على السلب والنهب والاغتصاب، ومحاولة إبادة شخصية الشعب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦٧٠