_ رغم إسلامها وعروبتها_ واعتبارها جزءا من الدول الناشئة في المغرب العربي_ كانت مطبوعة بالطابع الجزائري، وتمتاز بميزات سياسية واجتماعية جزائرية خاصة بها، واركت بعضها شأوا لا باري من العظمة والازدهار، كالدولة الرستمية وعاصمتها (تيهرت)، والدولة الحمادية التي كانت عاصمتها بجاية، والدولة الزيانية وعاصمتها تلمسان وغيرها ...
العهد لتركي الجزائري:
بدأت علاقة تركيا بالجزائر، في أواخر القرن الخامس عر للميلاد، ولم تعد أن تكون علاقة امة إسلامية بامة أخرى تجمع بينهما عروة الدين الوثقى، على أتن مجيء هذا العهد قد أدخل على الجزائر تطورا سياسيا مغايرا نوعا ما لوضعها السالف، بيد انه لم يعتبر عهدا استعماريا أو احتلال، كما يحلو للفرنسيين أن يصفوه، لما كان يربط بين الأمتين الجزائرية والتركية، من الروابط الدينية والمعنوية، ولم يقض دخول الأتراك إلى الجزائر على سيادتها واستقلالها، كما كان الشأن مع احتلال الفرنسيين، اد لم يتعد النفوذ التركي مظهرة الديني والمعنوي، حيث كانت تركيا العثمانية موئل الخلافة الإسلامية.
ومع ذلك فقد تخلصت الجزائر من التبعية التركية بنحو مائتي سنة، قبل الاعتداء الفرنسي عليها، وأضحت سيادتها طليقة من كل قيد، نقية من كل شائبة تدخل خارجي، تدير شؤونها كما تملي عليها مصلحتها القومية.
يقول مؤرخ فرنسي في الموضوع: (أثناء القرن السابع عشر تخلصت ايالتا الجزائر وتونس من سلطة الباب العالي، ثم يتابع قائلا: كان للجزائر استقلالها الذاتي، ولم يكن يربطها بتركيا سوى صلة أدبية، هي الخلافة الإسلامية، وكانت أكثر حرية في تدبير شؤونها وتقرير مصيرها من الممتلكات الانجليزية اليوم إزاء بريطانيا، ولم يكن في الجزائر تفريق جنسي أو ميز عنصري بين العرب والأتراك، فكلاهما ينتسب إلى الدين الإسلامي، وهو عدو كل تفريق جنسي، ولدالك نرى الأتراك والجزائريين يقومون جميعا بالدفاع عن الجزائر، ويعاونون على طرد الأسبان من بعض الشواطئ الجزائرية، ففي الحين الذي كان كل شيء يوهم باستيلاء اسبانيا على شمال إفريقيا، خاص المعركة ضدها الأتراك ولجزائريون معا واستطاعوا أن يحرزوا على النصر) وشهد شاهد من أهلها وهكذا نرى أن قوات الجزائر استطاعت أن تطرد اسبانيا من شواطئ الجزائر، وأن تكرهها على التراجع عن مشاريعها الاحتلالية، التي كانت تنوي عشر، وليس من اليسير الهين أن تقوم الجزائر بمثل هذا العمل، وتظفر بمثل هذا النصر الباهر، على دولة قوية مثل اسبانيا يومئذ، لو لم تكن قد توفرت لها جميع إمكانيات الدولة وخصائصها ونظمها السياسية والعسكرية والبحرية، مما جعلها في طليعة الدول التي يخشى بأسها ويرغب في خطب ودها وصداقتها والتعامل معها
علاقات الجزائر الخارجية:
وعلى هذا الأساس كانت للجزائر علاقات سياسية ودبلوماسية خارجية، تنبيء بوضوح عن أهمية المكانة الدولية، التي كانت تحظى بها، فمنذ منتصف القرن السادس الميلادي، أنشئت العلاقات الدبلوماسية، وعقدت المعاهدات بين الجزائر وفرنسا مما أدى بملكها (فرنسوا الأول) أن يسنجد بحليفته الجزائر في بعض الحروب التي خاضتها فرنسا ضد اسبانيا ودول أوربية أخرى، وفي أواخر القرن الثامن عشر، عقدت الجزائر معاهدات مع كل من الولايات المتحدة، وانجلترا، وهولاندا، والدانمارك، ولم تكن الجزائر في علاقاتها الدولية اقل اعتبار، أو أبخس وزنا من حيث القوة وكمال السيادة، وخصائص الدولة المستقلة عن آية دولة أخرى شرقية أو غربية.
هذه هي الجزائر، الدولة التي عاشت حرة مستقلة عبر القرون والأجيال، ولكن فرنسا تنكر -بوقاحة- وجودها حين احتلالها لأرضها، وتزعم _ من دون حياء و لا خجل _ إنها ما جاءت إلى الجزائر إلا لتنعم عليها بنعمة المدنية والحضارة .. فليس أكثر افتراء على التاريخ من هذا الزعم الفرنسي الاستعماري المكشوف
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
دوافع الاحتلال الحقيقية:
لننظر _ إذن _ ما هي الدوافع الحقيقية التي دفعت بفرنسا إلى الاعتداء على الجزائر واحتلالها أرضها.