حال بتراثه الروحي، وميراثه التاريخي، ورغم الويلات التي حلت به، ومتمسكا بميزاته وقوميته، متحديا عوامل المحق والتفرنج والإباحية التي سلطت عليه، من طرف ساسة أعدتهم المدرسة الاستعمارية .. خصيصا للقضاء على شعبنا بالتدريج منذ الاحتلال إلى الآن ...
ثورات متعاقبة ..
ولقد كانت هذه الحقبة الطويلة من تاريخ الجزائر مليئة بالثورات والانتفاضات على المستعمر الباغي .. تعقبها وما اضطهادات فظيعة، وانتقامات مروعة، لا أثر فيها لما يسمى بالعدالة والديمقراطية الفرنسية .. وإنما كل ما فيها الحقد العنصري، والتعصب الصليبي، اللذان اشتهرت بهما هذه الدولة ضد الإسلام والمسلمين خلال التاريخ، وبقي ساستها يرثون ذلك الحقد والتعصب أبا عن جد، إلى اليوم والى الغد ...
إنهم بذلوا كل ما في وسعهم من جهد، ليعفوا نهائيا على التراث الروحي والأدبي للشعب الجزائري، بعد أن جردوه من كسبه المادي، ولكنهم لم بلغوا من ذلك مأربا، وحاولا بكل قواهم أن يدمجوا هذا الشعب في حضريتهم ويبتلعوه، فلم يستطيعوا له هضما، بل بقيت الجزائر_ كما شاء لها القدر_ أمينة على إسلامهم، وفية لعروبتها، وظلت صامدة في ميدان المقاومة، كالطود الشامخ، وأن استطاعت فرنسا بجهازها الاستعماري أن تجردها من أرضها وثروتها، وأن تغتصب حقوقها من أيدي أبنائها، فإنها لم تستطع ولن تستطيع أن تجردهم من الرجولة والشجاعة، وقوة الإيمان بحق وطنهم في الحرية والاستقلال، وهذا كفاحهم اليوم_ كما كان بالأمس_ يذيق المستعمرين المعتدين وبال عدوانهم، ويريهم عاقبة بغيهم وظلمهم، ولابد من أن بناء الاستعمار منهار، أمام ضربات المجاهدين الأحرار.
بلاد مات فتيتها لتحيا
وزالوا دون قومهم ليبفوا
دم الثوار تعرفه فرنسا
وتعلم انه نور وحق
مزاعم باطلة ...
والآن _ وبعد هذه الكلمة التمهيدية _ نريد أن نرجع قليلا إلى الوراء، أي إلى ما قبل الاحتلال المشؤوم، لنرى ما إذا كانت المزاعم الفرنسية، التي تدعي انعدام وجو دولة جزائرية إبان الاحتلال، والتي اتخذت مبررا لذلك الاحتلال، لها نصيب من الصحة؟ أم أن هذه المزارع لا ظل لها من الحق والحقيقة، ولا سند لها من التاريخ الصادق، بل ما هي إلا مجرد أفك وبهتان، وتهافت من جانب الغزاة الفرنسيين على الواقع التاريخي الملموس.
أن الفرنسيين الذين جازوا الجزائر جزاء سنمار، وقابلوا جميلها بالإنكار، وإحسانها بالإساءة والاستكبار، ولم يبالوا أن يقترفوا هذه الجريمة التاريخية ... بسعيهم في طمس معالم التاريخ الجزائري اللامع، وإنكارهم لماضي الجزائر الدولي المزدهر، وقد سمحت لهم ضمائرهم أن يضعوا الكتب والمؤلفات لتزييف الحقائق، والكذب على التاريخ، لأغراض استعمارية بحته، ليس لها من روح البحث العلمي أو التاريخي نصيب.
الدولة الجزائرية:
أن الجزائر _ قبل سنة 1830_ كانت توفر لها جميع خصائص وميزات الدولة التامة، في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أن الجزائر كانت قائمة الشخصية، مدعمة الكيان، ذات مكانة دولية مرموقة، ونستطيع القول بان وجود الجزائر الدولي قد ظهر في هذا الكون، وامتد في أعماق التاريخ، منذ عديد من القرون، بل قبل أن تصبح فرنسا نفسها ذات كيان دولي بالمعنى الصحيح.
لقد ظلت الجزائر فعلا تتمتع بسيادتها الوطنية، وكيانها الدولي؟، وتتوفر لديها جميع العناصر التي يقوم عليها بناء الدولة، شانها في هذا شأن جميع الدول المعاصرة لها يومذاك.
فمنذ العهد الروماني بإفريقيا نشأت دول جزائرية متعاقبة بزعامة رجال من العنصر البربري، وكانت تلك الدول تتعامل مع رومه _ على قدم المساواة _ في فترات تاريخية، ونشأت بعد الفتح العربي للشمال الإفريقي مجموعة من الدول التي كانت