تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجلة المناقشة الفرنسية خطابا من أحد الفرنسيين يصف فيه صبيا متوحشا في نحو الحادية عشرة من عمره وجد في غابة بمقاطعة "افيون" وذكر الخطاب أن الصبي كان صورة من الإنسان البدائي وقد وجد هائما على وجهه في أطراف الغابة التي كان يعيش فيها، وقد أحضر هذا الصبي إلى باريس حيث عرض على الجمهور تسعة أيام. وكان منظره متوحشا حقا فهو لا يستطيع النطق ولا يعرف المشي المعتدل ويدمدم كالحيوان، ويجهل كل وسائل الحياة حوله وقد عهد الى طبيب شاب اسمه "ايطارد" وكان يشتغل في معهد للصم والبكم ليشرف على تربية هذا المخلوق الذي سمي "فيكتور وقد شخص "يطارد " التأخر الذي عند الصبي وعزاه الى أنه حرم وسيلة التفاهم مع الناس وهي اللغة وشرع "ايطارد" في تعليمه اللغة وما يحيط به مدة خمس سنوات، ولنستمع الى "ايطارد" نفسه يحدثنا كيف علم هذا الصبي اللغة يقول الدكتور "ايطارد" وكان علي الان أن أتقدم بهذا الصبي الى مرحلة التجريد، وكنت أتقدم وأنا أخشى ان اسير فيها طويلا وان يصادفني ما لاقبل لي بالتغلب عليه ولكن لم اصادف شيئا من هذا، وكانت محاولتي هذه المرة تعليم الصبي امداد الاطوال والمساحات فأحضرت كتابين من مقياسين مختلفين وكان تجليدهما واحدا ثم أشرت إلى الأول ففتح "فيكتور" كناشته وأشار إلى كلمة كتاب التي فيها ثم أشرت إلى الكتاب الثاني فأشار الى نفس الكلمة مرة أخرى وكررت العملية فكرر الإشارة. أخذت الكتاب الصغير وأمسكت به أمام "فيكتور" وجعلته يلمسه بيده ويضع يده على غلافه كله فلما وضع يده غطت كل الغلاف، ثم طلبت إليه أن يضع يده على الغلاف الكتاب الكبير فلما وضع يده غطت كل الغلاف، ثم طلب اليه أن يضع يده على غلاف الكتاب الكبير فلما وضع يده لم تكد تغطي نصفه، ولكي الفت نظرة الى الغرض من هذه العملية نبهته الى الجزء ولم يستطيع أن يفعل هذا إلا بعد ان كشف عن جزء من الغلاف يعادل الجزء الجديد الذي غطاه، وبعد هذه التجربة التي حاولت بها أن يدرك"فيكتور" الفرق بين مساحة الكتابين سألته عن اسمها مرة أخرى فتردد" فيكتور" وشعر أن نفس الكلمة" الكتاب" لا يمكن إطلاقها على كل منهما بدون أي وصف مميز لما أدركه من فرق بينهما.

وقد كان همي أن أصل به إلى هذه النقطة عند ذلك كتبت على بطاقتين كلمة "كتب" ووضعت كل واحدة على كتاب ثم كتبت في بطاقة ثالثة كلمة "كبير" وفي رابعة "صغير" ووضعت كل بطاقة بجانب زميلتها في المكان المناسب على الكتاب. وبعد أن وجهت "فيكتور"الى التسمية الجديدة نزعت البطاقات وخلطت بعضها ببعض ثم اعطيتها له ليضعها على الكتابين فوضعها كما ينبغي، ولكن هل يكفي هذا للتأكد من أنه كون فكرة على كل من الكبير والصغير؟

لكي ازداد تأكد أحضرت مسمارين أحدهما كبير والثاني صغير وجعلته يلمس الفرق بينهما ثم وضعت على كل منهما بطاقة تحمل كلمة" مسمار" وقدمت له بطاقتين أحدهما عليها كلمة" كبير" والثانية عليها كلمة "صغير" وسلمتهما له "فما كان منه إلا أن وضع كل بطاقة في مكانها الصحيح بطريقة تثبت انه فهم معنى الكلمتين.

ولعل هذا المثال أيضا يوضح لنا كيف أن الصبي "فكتور" لاحظ ووازن وأدرك الفرق والتشابه ثم جرد المعنى الذي يدل على صفة الكبير والصغير، وأخيرا عمم هذا التجريد بتطبيقه على حالات أخرى لم يكن له بها عهد كما فعل مع المسمارين.

وبهذه الطريقة أيضا يصل الطفل العادي إلى تكوين فكرة عن المجردات مثل الطول والقصر والخوف والغضب إلى أخره.

بعد ما عرفنا مبادئ عن تعليم اللغة وكيف يبدأ بالمحسوسات ثم ينتقل إلى المجردات لابد لنا من إلقاء نظرة على الإدراك ما دام هو الوسيلة للتعرف عن المحسوسات ومن تم المجرات لنتبين كيف تتم عملية الإدراك هذه في ميادين الحياة المختلفة. يطلق الإدراك اصطلاحا في علم النفس على العملية العقلية التي تتم معرفتنا للعالم الخارجي عن طريق التنبيهات الحسية كأن إدراك أن هذا الشيء الذي هو أمامي "كتاب " وأن لهذا الكتاب مميزات خاصة من لون ومن اتجاه في المكان ومن طول وعرض وسمك وبروز ومن وضع بالنسبة إلى وبالنسبة للمنضدة والى ما يحيط به من أشياء. ولا يقتصر إدراكي لهذا الكتاب على هذه الخصاصة الحسية بل يشمل أيضا معرفة استخدام هذا الشيء فان إدراك إن هذه الاشكاال السوداء التي تسمى الكلمات إنما هي رموز تفيد معنى من المعاني إلى ما هنالك. والإحساسات هي المواد الأولية التي لا يتم الإدراك دونها وهي تميز الإدراك ليست عملية منعزلة منفصلة بل هي الأساس الذي تقدم عليه سائر الوظائف العقلية وكما يقول "بارتلي" في كتابه" بداية علم النفس التجريبي"

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦٦٢