دعوة الحق، س 3، ع 10/ يوليوز 1960 .................. ص95
الأحداث أمام المحسوسات والمجردات
للأستاذ: محمد الداودي
يعرف علماء المنطق الإنسان بأنه حيوان ناطق، وهم يقصدون بذلك أنه قادر على استعمال لغة صوتية ذات مقاطع وكلمات وجمل للتفاهم مع غيره من بني جنسه، وتنقسم اللغة الصوتية عادة إلى نوعين. النوع الأول الانفعالي أو الوجداني. والثاني النوع الرمزي.
يعرف علماء النفس اللغة بأنها الوسيلة التي يمكن بواسطتها تحليل أي صورة أو فكرة ذهنية إلى أجزائها أو خصائصها. والتي بها يمكن تركيب هذه الصورة مرة أخرى في أذهاننا أو أذهان غيرنا بواسطة تأليف كلمات ووضعها في ترتيب خاص ولا يطلق على الكلام لغة بالمعنى العلمي إلا إذا أدى هذا الكلام وظيفته السيكولوجية وهي تحليل التصوري والتركيب، ويبين "تورنديك" في كتابه "الإنسان وأعماله" أن وظيفة اللغة لا تقتصر على التعبير فقط ولا إنها وسيلة لنقل أفكار المتكلم إلى السامع. ويعزى تفوق الإنسان الذهني لدرجة كبيرة إلى قدرة على استعمال اللغة الراقية. فهي الوسيلة التي تمكنه من استخدام ما عنده من قدرة على التفكير وعن الطريق اللغة يدرك الإنسان كما يعبر عن المكانية والزمانية والملكية والعلة والمعلولية والجمعية والاستثنائية.
ونريد الآن أن نقف عند المعنى اللغوي لنتبين المقصود من العبارة المطلوب الكلام عنها، وأعني "الأحداث".
أن المعنى اللغوي هو الفكرة والواحدة البسيطة التي تثيرها الكلمة في ذهن السامع أو القارئ سواء أكان ما يمثلها في الخارج شيئا محسوسا مثل ورق أو مجرد مثل الحرية، وكذلك الفكرة المركبة من مجموعة أفكار بسيطة، ولكي نعرف كيف المركبة من مجموعة أفكار بسيطة، ولكي نعرف كيف تنشأ الفكرة عند الإنسان نفترض طفلا رأى أباه لأول مرة في حياته أن هذه الرؤيا تصحبها عادة صرة بصرية إدراكية قد تكون غامضة أولا وغير محدودة وقد يستمر الطفل مدة من الزمن قصيرة أو طويلة لا يميز أثناءها أباه عند رؤيته ولكن بتكرار رؤية الطفل أباه وسماعه صوته وشمه رائحته وتنبيهه لمناغاته وملاطفته وهنهنته إياه تتكون في ذهن الطفل صورة أوضح عن أبيه.
فعند ما يرى الابن ويشعر أنه هو الشخص الذي رآه من قبل_ أي عندما يدرك أن ثمة تشابه بين هذا المدرك الحسي والصورة الذهنية التي عنده _ عند ذلك يكون قد كون فكرة عن أبيه فالشعور بالمماثل بين المدرك الحسي الجديد والصورة القديمة هو حجر الأساس في تفكيرنا كما يقول" وليم جيمز" في كتابه "أصول علم النفس" من هذا يتضح أن كل مرة يرى فيها الطفل أباه تترك في ذهنه صورة لهذا الأب. وتوضح الصورة التالية بعض ما غمض في الصورة السابقة حتى تتكون الصورة الذهنية الكاملة، أو يتكون عنده "المعنى والفكر" ولا أرى مانعا من ذكر القصة التالية لتلقي ضوءا على قيمة المحسوسات في تعليم الأحداث فقد جاء في كتاب "تقرير ومذكرات عن بدائي افيرون" انه حدث في سنة 1799 أن نشرت