لقد عنيت الوثائق التي تهتم بأمر النقود القديمة بتحديد الأماكن الجغرافية للمعامل التي ضربت فيها تلك النقود، وكانت هذه العناية دون شك باعثا لرجال البحث على تتبع الأمور على ما يجب، وقد كان مما أثار الانتباه في هذا الصدد وجود قطع نقدية أربعة تحمل جميعها اسم "المحمدية".
الأولى ترجع لتاريخ 1002 هجرية (1593/ 1594) وقد نقش عليها: "الحمد لله رب العالمين. ضرب المحمدية حاطها الله عام اثنين وألف. أبو العباس أحمد المنصور بالله".
والثانية ترجع لنفس التاريخ بيد أن بعض ما نقش عليها لا يتحد مع جميع ما نقش على الأولى، لقد كتب فيها: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. بسم الله الرحمن الرحيم عبد الله الإمام أبو العباس أحمد المنصور بالله ابن الإمام أبي عبد الله محمد الشيخ المهدي بن الإمام القائم بأمر الله.
ضرب بحضرة محمدية حاطها الله عام اثنين وألف".
أما القطعة الثالثة فتحمل تاريخ 1006هجرية (1597/ 1598)، وقد نقش عليها ما يلي: "إنما يريد الله ... الآية. بسم الله الرحمن الرحيم. عبد الله الإمام أبو العباس أحمد المنصور بالله أمير المومنين ابن الإمام أبي عبد الله محمد الشيخ الخليفة ابن الإمام القائم بأمر الله الشريف الحسني. ضرب بالمحمدية حاطها الله عام ستة وألف".
وتحمل الرابعة رقما ضائعا بعد الألف، وقد نقش عليها ما يلي: (بسم الله الرحمن الرحيم. عبد الله الإمام أبو العباس أحمد المنصور بالله أمير المومنين ابن الإمام ابن عبد الله محمد الشيخ المهدي ابن الإمام القائم بأمر الله الشريف الحسني. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس، الآية .. ضرب بالمحمدية حاطها الله عام ... وألف)
فأين تقع "المحمدية" السعدية؟ لقد كانت هي بالذات مدينة تارودانت التي تقع جنوب الرباط على بعد خمسمائة وستة وأربعين كيلومترا، والتي ظلت نحوا من عشرين سنة عاصمة للسلطان محمد الشيخ مؤسس الدولة السعدية، ولقد أكد هذا علماء تارودانت بصفة لا تحتمل الشك، بل وإن كتب التاريخ تحتفظ برسالة مؤرخة في 11 ربيع الأول 1011 (فاتح سبتمبر1602) تنص على اسم الحضرة المحمدية التي يقصد بها- بكل تأكيد - مدينة تارودانت التي جعل منها المرينيون عاصمة لبلاد السوس، والتي عن طريقها عزز المغرب - في الماضي - صلاته التاريخية بممالك السودان.