دعوة الحق، س 3، ع 10/ يوليوز 1960 .................. ص91
ما قاله التاريخ عن: مدينة المحمدية الحديثة ومدينة المحمدية القديمة
للأستاذ: عبد الهادي التازي
على بعد سبعين كيلومترا جنوب غربي الرباط عاصمة المغرب الإدارية، تقع مدينة صغيرة عرفت في تاريخ المغرب القديم تحت اسم فضالة، لكنها أمست اليوم تحمل اسم" المحمدية" وهي تستعد لمستقبل اقتصادي زاهر باستئثارها - من بين سائر المغرب- بأكبر معمل لإنتاج النفط وتكريره، تابع لشركة "سمير" المغربية الايطالية فماذا يمكن أن نعرف عن فضالة أو المحمدية الجديدة؟
إن المصادر التاريخية التي نتوفر عليها تتضافر على أنها من الأماكن القديمة، وأن ميناءها الحصين والمهم كذلك قصد منذ أيام بني مرين أي حوالي القرن الرابع عشر والخامس عشر الميلادي، فلقد حلت به على هذا التاريخ فئة من التجار المسيحيين الذين وردوا عليه من إيطاليا أي مدينة جنوة ومدينة فونيز، وردوا عليه عن طريق البحر الأبيض المتوسط، ونزلوا المرسى حيث استوردوا القمح والشعير وبعض الفواكه الجافة (الزبيب والتين).
ويعتقد بعض المؤرخين الإفرنج أن هذا الميناء احتل من طرف بعض الدول الأوروبية بعيد ذلك أيام الغزو البرتغالي لبعض الشواطئ المغربية، وخاصة مدينة أنفا (الدار بيضاء) سنة 874 (1469/ 1470)، واستمر هذا الاستيلاء- يقول المصدر الإفرنجي- زهاء قرنين من الزمن، بيد أن الذي تؤكده الأصول التاريخية المغربية أن فضالة ظلت بعيدة عن كل استيلاء أجنبي، وكل ما في الأمر أن عاهل المغرب على ذلك العهد- ويتأكد لدي أنه من الوطاسيين- أذن لنفر من التجار بمباشرة نشاطهم الاقتصادي في مقابلة عوض، وأعطاهم الحرية في إقامة بعض البناء داخل القصبة العربية، ولعل في هذه الفترة تم تشييد البناية البرتغالية التي تحتفظ المدينة بأثرها إلى الآن. وفي القرن الحادي عشر الهجري (السابع الميلادي) جهز الميناء في بعض الظروف سفنا من أجل شن الغارات والقرصنة كذلك.
ولدى شهر رجب 1186 (سبتمبر أكتوبر 1872) اتجهت أنظار السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى مدينة فضالة، ونحن نعلم سلفا طموح هذا العاهل لاستغلال خيرات البلاد، وهكذا نراه- بعد أن يزود المدينة بمسجد لإقامة الشعائر الدينية- يتجه إلى السوق التجاري ليشيد دكاكين فسيحة يزاول فيها التجار المسيحيون واليهود كذلك نشاطهم التجاري. ومن الوقوف على ميزانية الدولة على عهد هذا الملك العظيم نعرف أن الجبايا كانت تبلغ- من ميناء فضالة فقط- في هذه الأيام خمسة الألف وثمانمائة وثمانية وسبعين ريالا واثنين وثمانين جزءا. بيد أن هذا النشاط لم يلبث أن تقهقر موقتا بعد وفاة السلطان محمد الثالث هذا .. تلك هي فضالة بالأمس أو المحمدية العلوية، فماذا تكون المحمدية القديمة؟