من شأنه أن يحيل الوضع العربي العام إلى ما كان عليه في عهد المر وانيين أن لم يجاوزه بكثير، ولكن شيئا من ذلك لم يتم إلى حد يكاد يثير كثيرا من الريب حول القيمة الحقيقية المباشرة لهذه المعركة، والواقع أنه لو لم تكن لها تلك التأثيرات البعيدة في أعماق التاريخ لما كان _ في مستطاعنا - لهذا السبب _ أن نتحدث باعتبارها من الوقائع الحاسمة في امتداد الحياة بالعروبة والإسلام في منطقة غربي أوربا، ويكاد يكون من الأنصاف إلقاء التبعة في ذلك حدده _ كما يبدو_ ما جد على الموقف الحكومي في مراكش نتيجة لوفاة أبي بكر ابنه وخليفته في إفريقيا وما أعقب ذلك من فراغ في السلطة المركزية لم يستسغه أمير المسلمين كثيرا واضطره بذلك إلى الرجوع السريع للمغرب. إن تعليلا من هذا النوع قد يكون كافيا لتقدير الظروف التي أجبرت يوسف على هذا الرجوع، إلا أن الأحوال العامة في المغرب لم تكن من الحراجة والسوء بالدرجة التي كانت تدعوه إلى اتخاذ بادرة حاسمة ومليئة بالمحاذير من مثل هذا النوع، فالأوضاع في العدوة الإفريقية على العموم كانت على نسبة عالية من الهدوء والاستقرار، والآثار النفسية الجميلة التي خلفتها أصداء معركة الزلاقة في إفريقيا لم يكن من شانها إلا أن تساعد على امتداد ظل هذه الأحوال الهادئة المستقرة، وعلى الرغم من أن اختفاء شخصية من صنف أبي بكر كان من الممكن أن يكون له أثره النسبي نتيجة لما للأشخاص أحيانا من تأثير على استقرار الأحوال واضطرابها فان النفوذ المعنوي الذي كان ينعم به يوسف لم يكن يبيح ولاشك إمكانية وقوع ارتجاجات محتملة نتيجة لهذا الحادث.
ومهما كان الأمر فن قرار الرجوع الذي اتخذه يوسف لم يكن بادرة موفقة من حيث الاعتبار العسكري الصرف وان كانت له حسناته من وجهة النظر السياسية والنفسية، فعلى الرغم من إن هذا القرار كان يوحي بكثير من مشاعر الاطمئنان للرأي العام السياسي بالأندلس ويساعد على زيارة إقرار الأحوال بالمغرب فانه _ مع ذلك _ قد ساهم في التقليص من النتائج العسكرية المباشرة لوقعة الزلاقة وأعان على تطور الأوضاع الناشئة بعدها تطورا لم يكن يتوقعه الكثيرون، وقد كان من نتائج هذا التطور:
1. تمكن القوات المسيحية من التغلب على الآثار النفسية القاسية التي خلفتها المعركة.
2. نجاح "الفونسو" في استثمار الفرصة الثمينة وأسراعه بإعادة تنظيم قواته وإمدادها بالطاقة ووسائل المنعة.
3. خبر روح الحماس وكسوفها تدريجيا في نفوس المسلمين بع أن ألهبتها مواقف النضال في الزلاقة.
4. مساعدة ذلك على تجدد ظواهر الانقسام السياسي الطائفي في الأندلس المسلمة وتعفن الجو الحكومي مجددا بين ربوعها.
ولاشك أن يوسف كان يدرك كل هذه الملابسات والاحتمالات ويعيها وعيا عميقا، ومع ذلك فيظهر _ عند ما اتخذ قرار الرجوع _ إنه كان على ثقة من قدرته على التغلب عليها إذا ما اقتضى الحال ذلك وبعد أن يتم له ملء الفراغ الذي خلفته في المغرب وفاة أبي بكر خليفته، هذا بالإضافة إلى انه كان يبدو شديد الحرص على فسح المجال أمام مسلمي الأندلس ليمارسوا شؤونهم بأنفسهم ويتموا تصفية مشاكلهم السياسية الداخلية بأيديهم ولهذا فقد بادر بعد ذلك وحينما اقنع بضرورة التدخل من جديد- إلى إعادة الكرة على الأندلس ولكن _ ولو كان قد توفق هذه في القضاء إلى انقسامات المسلمين فيها- فغنه لم يتمكن من تحقيق انتصارات عسكرية على مسيحييها من صنف التي أحرز عليها في سهل الزلاقة، ويلوح أن تطور الأوضاع العسكرية عند المسيحيين والأعباء السياسية التي ألقاها على كاهله توحيد النظام السياسي للمسلمين_ بالإضافة إلى نضوب معين نشاطه نضوبا تدريجيا بسبب الشيخوخة_ يلوح إن كل ذلك أو بعضه كان من الأسباب التي عاقته عن تحقيق بقية أمانيه الكبيرة: هذه الأماني التي تتمثل في العمل على سحق الطاقة العسكرية المسيحية سحقا حاسما والتي لم تكن معركة الزلاقة إلا صورة من صورها المرحلية الأولية.
*
وكما أنه للمعركة -التي هي أهم مظهر للتدخل المغربي في الأندلس _ نتائج سياسية وعسكرية معينة، فقد كان لها كذلك ذيول لا تقل أهمية من وجهة النظر الاجتماعية والإنسانية، فقد ساعد نزول أبناء الصحراء في الأندلس _ موطن المدينة الأصيلة _ على نشوء