تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المعركة الحاسمة بالنسبة لهذا الجانب أو ذاك، وعلى ضوء ذلك يمكننا أن نلحظ وجود تكافؤ نسبي في الفرص والإمكانيات والمشاعر عند الطرفين كما تبرهن عليه المقايسه الآتية:

من الواجهة النفسية: حماس ديني مضطرم شعور ملح بان الأمر يتعلق بتقرير المصير وتوطيد الكيان، تآزر العناصر المختلفة تحت تأثيرها هذه الأحاسيس.

من الواجهة السياسية: توحيد النزعات والاتجاهات السياسية ولو بصورة سطحية.

من الواجهة العسكرية: تنظيم الجيوش ووضع التخطيطات العسكرية الدقيقة.

ولعل في هذه النقطة الأخيرة بالذات يختل ميزان المقايسة حيث يبدو بعض الاختلاف النسبي بين الفرص المهيأة للفريقين، فقد كان المسيحيون يتوفرون فعلا تفوقا عدديا بالنسبة للجيش الإسلامي، ولكنه كان ينقصهم الإدراك الصحيح للقيمة التي يمثلها التخطيط الإستراتيجي الدقيق، ومن ثم كان مصدر كثير من العوامل التي واجهت سير المعركة ضدهم وإصابتهم بالهزيمة والاندحار، فمنهاج القيادة المسيحية لم يعن واضعوه بمبدأ توزيع المهام والمسؤوليات، بل اعتمدوا أسلوب التظاهر العددي فقذفوا في الميدان بأهم ما كان يتوافر لهم من إمكانيات عسكرية دون أن يحتاطوا لما قد يكون هناك من طوارئ واحتمالات، وكان من عوامل الفوز للقيادة الإسلامية أنها لجأت إلى طريقة معاكسة (طريقة الاحتفاظ بالاحتياطي من المقاتلين الذين يفترض بهم أن يتدخلوا في الوقت الملائم) فكان ذلك عاملا على استمرار الطاقة في الهيكل الحربي الإسلامي ونضوبها التدريجي عند القوات المعادية.

فالنصر على هذا الأساس_ كان في بعض الجوانب الهامة- ذا أصول إستراتيجية تخطيطية أكثر منها أخلاقية أو معنوية لو أن هذا الجانب كان هو أيضا من العوامل المساعدة الهامة.

وعلى كل فقد أفضت الواقعة إلى نهايتها، وكانت هذه النهاية قاسية مؤلمة بالنسبة للمسيحيين المندحرين ومن ثم فقد كان من الطبيعي أن تخلق في العسكر الإسلامي جوا نفسانيا ملؤه الشعور بالاعتزاز والشموخ وقد تجسم ذلك بالفعل في تظاهرات دينية وشعبية رجت أصداؤها شبه الجزيرة والشمال الإفريقي، بل جاوزت أبعادا أنأى ذلك بكثير.

وان من يتفهم الجو النفساني القاسي الذي كان يعيش فيه المسلمون الأندلسيون قبل المعركة وما أعقبه من انفراج بعدها يمكنه أن يستسيغ أو على الأقل يجيز كل هذه المغالاة في النكاية بالأعداء وتقدير النتائج المترتبة عن هزيمتهم تقديرا متطرفا في التفاؤل، والواقع أن ظاهرة التفاؤل هذه لم تفتأ تحتاج جميع الأوساط الإسلامية بشدة منذ أن لاحت بوارق الظفر للجيش المرابطي في الزلاقة، وقد كان لهذا التفاؤل _ بحق_ بعض ما يبرره، فعلى الغم من أن المعركة لم تؤد حقيقة إلى التمكن من معاقل العسكرية الاسبانية وتدمير الطاقة الإسلامية الممدة لها_ ما حدا بالباحثين في مختلف العصور إلى

اعتبارها من أحداث التاريخ الحاسمة ومعالمه البارزة الهامة، فقد وضعت من حيث الاعتبار السياسي الصرف حدود تيار تاريخي كان المفروض_ لو تم له الوصول إلى نهايته_ أن يفضي إلى تغيير كثير من معالم تاريخ العصر الوسيط كما نعرفه اليوم، ويقلب كثيرا من الأوضاع التاريخية التي تتصل بعالم ما قبل العصر الحديث، فقد كان من الجائز مثلا_ لو تمت الغلبة الساحقة للإفرنج في سهل الزلاقة _أن يرتد المرابطون بعد وقائع دفاعية أخرى إلى المغرب ليحضروا استعدادات حملة هجومية جديدة، ومما كان يعزز هذا الاحتمال أن جنوب شبه الجزيرة لم يكن كله خالصا للمسلمين فقد كانت بعض الأقاليم منه ولاسيما في الناحية الغربية _ كالبرتغال مثلا_ لا تزال توجد تحت نفوذ عناصر مسيحية غير مسؤولة أحيانا وذلك ما كان من شأنه أن يزيد في حرجة موقف المرابطين وهم في حركتهم التقهقرية المحتملة. أما الأوضاع التي يجوز أن تنشأ عن كل ذلك فتتمثل في إمكانية قيام حالة عسكرية خطيرة لم يكن لها إلا أن تهدد " الوجود" العربي في شبه الجزيرة وتأتي على آخر مظاهره ف نهاية الشوط، وحينذاك لأي صبح أمام المرابطين فيما لو عادوا الجولة مع القوى المسيحية إلا فرصا ايجابية ضئيلة لتحقيق انتصارات " مسرحية" كما كان الشأن في واقعة الزلاقة، بل إنهم قد لا يجدون في شبه حملات منظمة ومأمونة الظروف، وقد تمتد _ مع ذلك _ محاولات "النزول" المغربية في البر الايبري، وقد يستفحل التهديد المغربي للشواطئ والأقاليم الجنوبية الأندلسية ولكن الاضطرابات السياسية التي خلقتها دعوة ابن تومرت في المغرب لم يكن لها إلا أن تساعد على التخفيف من هذا الضغط المغربي المحتمل.

ومع ما كان يتوافر عليه النظام الموحدي - بعد ذلك - من عناصر القوة والاقتدار، فانه كان من العسير عليه أن ينجح - إلا بمعجزة - في إعادة فتح حقيقي وحاسم، وشاهد ذلك ما ينطوي عليه موقف السعديين بالنسبة إلى الأندلس من مدلولات عميقة لها قيمتها الاستدلالية الاستنتاجية، فقد برهنت السلبية الواضحة التي تميز بها موقف السعديين من الأندلس بعد إقصاء العرب عنها بالمرة أن سياسات إعادة الفتح في هذا القطر ليست شيئا مضمون النتائج وميسور المنال، أن هناك بحق كثيرا من الفوارق الهامة بين عصر الموحدين والسعديين سواء من حيث الأحوال الداخلية: (قوة بناء الدولة الموحدية بالنسبة للدولة السعدية) أو من حيث الظروف الخارجية الدولية: (تطور الأوضاع الدولية العامة في أوربا وبروز الدولة العثمانية القوية) ولكن هذه الفوارق كلها لا تستطيع أن تقوم دليلا حاسما على أن الموحدين كان يمكنهم أن يكونوا أقدر من السعديين على إعادة فتح الأندلس Renconquéte في حالة ما لو تم إقصاء العرب عنها كما حدث فيما بعد على عهد الوطاسيين.

نستطيع أن نرى من كل ما تقدم أن هناك كثيرا من أوجه الصواب فيما اعتاد الباحثون المحدثون ترديده من أن انتصار الزلاقة قد ضمن للإسلام وجود أربعة قرون أخرى في شبه الجزيرة الإيبرية، ورغم أننا لا نعتمد كثيرا مثل هذه الاطلاقات المجردة فإننا _ مع ذلك إذا وضعنا أن نرى فيها تأكيدا فاسدا بالمرة، وذلك إذا وضعنا في الاعتبار ولو قليلا مما سلف من الاحتمالات والتخمينات.

*

هذا ومن البين أن نتائج المعركة لا يتحتم مطلقا أن تنحصر في ارتباطها باستمرار الوجود العربي في شبه الجزيرة، بل إننا إذا تأملنا ها من جانب آخر فإننا نرى إنها قد ساعدت على خلق أوضاع دولية جديدة في غربي المتوسط لم يكن للمنطقة بها عهد منذ بعيد، فقد كانت الحراب والسهام التي قذفها فرسان المرابطين في الزلاقة بداية عصر جديد للحياة السياسية بالأندلس أفضى في النهاية إلى تمركز النفوذ المرابطي وبالتالي المغربي في شبه الجزيرة وذلك على حساب الأنظمة الطائفية التي كانت لها من قبل أزمة الحكم تمثل الشخصية الأندلسية الصميمة وخاصة في بعض الأقاليم، وعلى هذا الأساس فقد شكل جديد للعلاقات المغربية الأندلسية أصبح فيما بعد صورة مناقضة للكل الذي كانت عليه هذه العلاقات في عهد المر وانيين، فقد كان الصراع الناشب بالقيروان والمنافسة المستمرة بينهما على امتلاك المغرب _ كان ذلك سبيلا إلى ربط عجلة هذه البلاد بالسياسة الأندلسية في كثير من الفترات، وبتعبير مغاير، فان الحاكمية والمحكومية التي كانت تميز بعض فترات العلاقات بين المغرب والأندلس في أواخر عهد المر وانيين والتي كانت تشد هذه البلاد أحيانا إلى ركب الدولة المر وانية كولاية محتلة وتابعة_ قد انبعثت في صورة معاكسة حيث أصبحت العداوة الأندلسية تدور في فلك السياسة المغربية وتتأثر بها تأثرا عميق الأثر وواسع المدلول.

ومن الملاحظ أن التبعية الأندلسية للمغرب في شكلها الجديد لم تكن ذات مظهر مضطرب ومرتبك كما كان عليه الأمر غداة أقدام المر وانيين من قبل على غزو هذه البلاد، فقد كان حكم هؤلاء للمغرب بمدلولات سياسية ودولية بعيدة المدى، آما النفوذ المرابطي في الأندلس فقد كان اقوي مظهرا من ذلك وأبعد أثرا لأنه كان ذا نتائج سياسية عميقة المدلول (استمرار التبعية الأندلسية للمغرب أحقابا طويلة) ولأنه كان أكثر استقرار وتمكنا ورسوخا، وهذا يقودنا إلى ملاحظة الظاهرة التاريخية الهامة التي يبدو معها التدخل المغربي_ ولقد أكسبته قوة الاستمرار معركة الزلاقة _ خطوة أساسية في بناء الإمبراطورية المغربية تلك التي كانت تمتد-_ في فترات متفاوتة_ إلى حدود ليبيا شرقا وتتاخم المناطق الاستوائية الإفريقية جنوبا وتطل على جبال (البرني) عبر الأراضي الاسبانية_ مالا وتكاد تتسع أكثر من ذلك لو لم يقف أمامها إلا وقيانوس العملاق.

*

على أن معركة الزلاقة كان من الممكن أن تكون لها نتائج مباشرة وملموسة أكثر وضوحا من ذلك لو اعتبرت كمرحلة نضالية أولى فقط وكجزء من حملة عربية عامة متتابعة الخطوات وبعيدة المرامي والأهداف، فقد كان من الجائز فيما لو قدرت على هذا الأساس أن يتم _ ولو بصورة تقريبية _ سحق الطاقة العسكرية الاساسية للقوات المسيحية الشمالية الأمر الذي كان

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦٥٤