مراحل تاريخه وكان من الطبيعي أن تلتقي خطوط التاريخ بعد ذلك في هذه النقطة الحساسة، فالعدوتان - كما أشرنا إليه سابقا _ كانتا تتبادلان في كثير من الفترات صنوفا من الاندفاق السياسي والعسكري يشد على التوالي أحهما إلى عجلة الأخرى، وكان الدور هذه المرة دور مغرب ابن تاشفين.
على أننا إذا ما حللنا موقف يوسف إزاء الحالة التي خلقتها رسالة الاستغاثة الأندلسية فإننا نستخلص من ذلك أن كان جانب من التعقيد، فالحرب مع هؤلاء ' الايبريين" لم يكن له بها قديم عهد، ثم أن الموقف ف جنوب شبه الجزيرة حيث يرتكز النفوذ العربية يسوده كثير من الغموض المحير، فأمراء الأندلس لم كونوا على درجة متساوية من الحماس لهذه يكونوا على درجة متساوية من الحماس لهذه "المغمارة " المجازفة، بل أن البعض منهم كانت تنقصه الكثير من مشاعر الإخلاص لها والثقة في نتائجها والولاء للقضية التي ترتبط بها، هذا بالإضافة إلى أن تزحلق محور السلطة (وكان يتجسم إلى حد ما في شخص يوسف) إلى خارج البلاد لم يكن مما يساعد على زيادة استقرار الدولة أو يضاعف من سلطتها ونفوذها الداخلي، ولعل كل هذه المؤثرات أو بعضها على الأقل ساهم في رسم ملامح هذا التلكؤ والتلبث اللذين بدوا على موقف أمير المسلمين غداة اتصاله بوفد الاستصراخ الأندلسي إلا أن قوة الجاذبية السياسية الأندلسية للمغرب وجلال الموقف من الواجهة الدينية والتاريخية لم يدعا لزعيم المغرب المرابطي مجالا فسيحا للمزيد من التدبر والتريث، بل كان من شان ذلك _ على العكس _ أن يقوده أخيرا إلى اتخاذ قار التدخل الذي كان بداية لموقعة حاسمة (نسبيا) في تاريخ الإسلام باروبا الغربية.
وموقعة الزلاقة لا تستمد أهميتها فقط من النتائج العسكرية والسياسية العامة التي انبثقت عنها، بل إنها تكتسي بعض الاعتبار كذلك من ناحية المدلول الخاص الذي كان لها، هذا المدلول الذي برهن على ما للتخطيط العسكري عند الجيش المرابطي من فاعلية ودقة وأحكام.
فقد كان ابن تاشفين - كما كان جيشه _ ينطوي على الكثير من مشاعر الغيرة والحماس وقوة الإيمان والعقيدة ولكن ذلك لم يكن ما كان يتوافر للجيش المرابطي من مميزات فقد كانت قيادته (وتتمثل قبل كل شيء في شخص يوسف) تدرك أن التكتيك الحربي _ إذا أحسن استخدامه_ يكون اعلي قيمة في بعض المواطن من الشجاعة والحماس المجردين، ولا شك أن نتائج هذا التفكير. كانت أساسا لاختيار الأسلوب نتائج هذا التفكير. كانت أساسا لاختيار الأسلوب المنهجي الذي احتذاه المرابطون، هذا الأسلوب الذي ينطوي على الدقة في التكتيك والتناسق في التحركات والإستراتيجية في اختيار المواقع، كما يعتمد على عنصر المباغتة المذهلة والتخفي المبيت والمداورة المحيرة بالإضافة إلى وسائل الضغط على أعصاب العدو وأرباكه بالمفاجئات الطارئة والمناورات المحرجة والنوايا الغامضة.
ولم يكن الجانب المسيحي بأقل استعداد وتهيؤا فقد كان هناك شبه تحالف مقدس ضم في حظيرته- الى جانب العناصر الايبرية متوطعين كثيرين من أقاليم عدة بأوربا الغربية.
والواقع أن عدد المحاربين كان بالنسبة للفريقين مرتفعا جدا، وليس من السديد هنا أن نتحدث بلهجة أحصائية فقد تباينت الروايات في هذا المجال إلى حد الإغراق المسف أحانا، على أن كل ما يجوز استخلاصه من تضارب الروايات هو الوفرة العديدة التي كانت لدى المتقابلين وان كانت النصوص ترجع ان المسيحين كانوا اكثر تفوقا في هذا الميدان. فاذا وضعنا في الاعتبار بعد ذلك روح الحماسة الدينية المضطرمة التي كانت تذكي نفوس الجميع وطبيعية العقلية النفعية التي كانت تحفز غير قليل من مسلحي الإفرنج وخاصة المتطوعين أدركنا مدى ما كان يتوقع لهذه الملحمة المرتقبة من ضراوة في اللقاء واستمرار في الفتك وشمولية في التحطيم وخطورة في النتائج.
على أنه _ من جانب أخر نكاد _ نتيجة لتباين الشواهد لا نبلغ مرحلة الجزم في حقيقة الروح الجوهرية الواقعية التي قادت المتحاربين أو بعضهم على الأصح إلى التلاقي الرهيب على بسيطة الزلاقة، أما إذا قدرنا أن المسيحيين وخاصة المتطوعين منهم كانوا يستهدفون في المحط الأول الدفاع عن كيان القومية الإيبريية عن طرق العلم على إقصاء العناصر الغريبة عنها، إذا افترضنا أن الأندلسيين كانوا يقدرون موقفهم على أساسا انه دفاع عن الملكية المشروعة المراد انتزاعها قسرا وقهرا ففي أي إطار يمكننا أن نضع مرامي ابن تاشفين من الحملة باعتبار الهدف المثالي الأعلى (مع غض الطرف طبعا عن التعليلات السابقة) بعد أن نلحظ مبادأته العدو_ كما