تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- لم تكن وليدة الوقت ولم تكن لها صبغة موضعية، بل أنها كانت تتصل بالوضع العربي العام في البلاد_ هذه الظروف لم يكن لها إلا أن تساهم في تعديل مجرى الأمور وتوجيهها توجيها أكثر معقولية وواقعية، فقد أمكن "لوحدات" الطائفية المتنافرة قبلا أن تتماسك وتنسجم نوعا ما، وأمكن للاتجاهات المتدبرة والنزوات المتناقضة أن تتقارب وتتلاقى لتتبلور في إرادة عربية جامحة، مقاومة العدو المشترك مقابل أي ثمن كان.

والذي كان يتقصى حقيقة الإمكانيات العسكرية الرهيبة التي كانت تتوفر عليها جيوش" الفونسو" السادس مع ما يقابلها من ضعة وهران في سلوك المسؤولين العرب وانحلال سياسي واجتماعي "نسبي" في وحدتات المجتمع العرب يمكنه أن يدرك بكل يسر حوافز هذه الإرادة "الطائفية" التي حدت بالأندلس المسلمة إلى الارتماء بين أحضان أبناء الصحراء من المرابطين، وإذا كان لنا أن نرسم الخطوط العريضة للموقف السياسي و العسكري في شبه الجزيرة غداة التدخل المرابطي فإننا سنلحظ هذا التقلص المريع في رقعة مناطق لنفوذ السلامية بعد أن استعاد (الفونسو) طليطلة حيث أصبحت أسبانيا الوسطى تحت رحمة المسيحيين، بل أن الامتداد الهجومي الأسبان يقد أصبح يتخذ شكلا تهديدا أشد وطأة وأعمق أثرا، وذلك حينما تم لجموع (الفونسو) محاصرة سرقسطة حيث قوى الاحتمال بإمكانية وقوع القطاعات المتوسطة من إسبانيا تحت طائلة الغارات المسيحية العرمة، كل هذا بالإضافة إلى النصر السياسي الذي أمكن للممالك المسيحية أن تحققه غداة توفقها إلى انجاز نوع من الاتحاد أضحت معه كل تلك الأقاليم الصغيرة وهي تشكل قوة سياسية وعسكرية متراصة.

من نافلة القول إذن نؤكد -بعد ذلك _ أن الوضع بالنسبة للمسلمين في الأندلس قد أصبح ذا احتمالات انفجارية مهولة بالصورة التي لم يعد معها محيد عن الاختيار بين الانمحاق التدريجي وبين التماس العون الخارجي مهما يحمله هذا العون في تضاعيفه من مخاطر محتملة على الأنظمة القائمة آنئذ في البلاد وعلى الرغم من أن مصدره كان يتمثل في دولة فتية وقوية ل تزال "نواياها" الخارجية موضوع الكثير من نقط الاستفهام (دولة المرابطين)، والكثير من النصوص التاريخية التي تتصل بالموضوع تكاد تتفق على القول بان المعتمد بن عباد صاحب أشبيلية و"أسير أغمات" كان أشد "الطوائفيين " حماسا للاستنجاد بأمير المرابطين يوسف بن تاشفين رغم ما كانت توجه إليه، مؤخدات على ذلك. وليس هناك ما كان يدعو المعتمد _ بحق _ إلى التحمس وحده لاستدعاء المرابطين لان أخطار التوسع الاسباني كانت تتهدد فعلا كل وحدات الكيان العربي بتلك الديار، ولان مظاهر الهوان التي كان يصبها (الفونسو" على أمراء المسلمين كانت تعمهم جميعهم بدون استثناء، بل أن بعض هؤلاء الأمراء كان يلتقي من ضروب المذلة ما هو أشد قسوة وفظاعة مما كان يوجه أحيانا إلى المعتمد.

ومع ذلك فقد كان ابن عباد بحق _ من بين جميع ملوك الطوائف _ رجل الباردة الأندلسية التي استدرجت ابن تاشفين إلى ربوع اسبانيا وقادت المرابطين إلى الالتحام مع النصرانية الاسبانية الزاحفة في بسيط الزلاقة؛ والذي يبدو أن ذلك راجع إلى ما كان يتميز به صاحب اشبيلية من شعور مرهف جعله يحس أكثر من زملائه الآخرين بوطأة الهوان ومرارته ويعي ذلك اصدق الوعي وأعمقه، هذا بالإضافة إلى ما كان يغمر نفسية المعتمد من روح التقدير لبعض القيم المعنوية المثالية، هذا التقدير الذي كان يمثل في حرصه على الاحتفاظ بحسن السمعة ويب الذكرى وجمال الأحدوثة، ونفوره من قساوة أحكام التاريخ وانتقادات الأجيال القابلة وكل ما يتناول الشخصية بالتنقيص أو تشويه.

وقد كان بدر منه الفعل ما جعل هذه المشاعر تزداد في نفسه تركزا ورسوخا، ولهذا فقد أصبح يتملكه الشعور بأن عليه واجب التفكير عن الأخطاء الماضية بسبيل من التلبس بروح التضحية والتجرد والكفاح، وها ما يفسر موقفه المشرف في حرب الزلاقة وما أبداه من ضروب الشجاعة فيها وما تحمله من مكاره وأهوال في خضمها مما يعتبر كرد فعل نفسي ناشئ عن الشعور بالخطيئة القومية التي كان يقدر أنه تمرغ في وحلها من قبل.

وعلى كل فقد أنفدت كتب الاستغاثة الأندلسية إلى "أمير المؤمنين" يوسف كما شاء المعتمد أن يلقب أمير المغرب المرابطي، والكتاب - أن صح نصه_ ومضمونه على الأقل صحيح ولا ريب_ فهو يبرهن على مدى الوعي الحقيقي الذي أكسبته الحوادث أمراء الأندلس المسلمة حيث دخل الوجود العربي حينئذ في أخطر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦٥٠