تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تقصه الرواية العربية _ بالمقتضيات الإسلامية الثلاثة الشهيرة: الإسلام أو الجزية أو الحروب؟ هل كانت غزوة دينية صرفة؟ أم أن يوسف تذرع بذلك إلى أصابة مرامي سياسية بعيدة من تعزيز للقومية العربية في شبه الجزيرة وتامين للأوضاع في منطقة غربي المتوسط.

أرجح الظن أن الأمر كان في ذهن الأمير المرابطي من الازدواجية والتشابك إلى حد الإبهام، فقد كان الأمير ينطوي المضطرم ولكنه لم يكن يجهل بالضرورة أن الأمر يتعلق أيضا بصراع مستعر بين كيانين قوميين متمايزين: العربي والايبري، وعلى هذا القبيل مختلطة مزدوجة حيث انه لم يكن ضروريا آنئذ إقامة الكثير من الحدود الفكرية بين بعض المبادئ والأهداف التي تتصل بهذا المجال، ومع ذلك فقد كانت تصرفات يوسف خلال الحملة تصطبغ بكثير من الألوان الدينية التي لها اعتبارها (عرض الإسلام على الأعداء) الأمر الذي يبيح القول بان الاعتبارات الدينية كان لها في ذهنه _ وهو يقود الحملة -وزن وتقدير له مغزاه، وعلى كل فقد كان يوسف بعرضه المقتضيات الثلاثة وقبوله مشروعه الاقتراح المسيحي في التوام العلم بهدنة موقتة قوامها ثلاثة أيام قبل أن ينشب العراك_ كان في كل ذلك منسجما مع تقاليد الفروسية العربية وأصول الأدب والقواعد الحربية الإسلامية، ولكنه لم يكن هذه الكرة متناسقا كثيرا مع ما كان يتميز به من سبر للاغوار واستطلاع للنوايا، فقد كادت الاحبولة الإفرنجية أن تجوز عليه، بل أنه أوشك أن يتلظى بجحيم عواقبها لولا يقظة سابقة من جانب المعتمد أكسبته اياها خبرة عتيقة بأساليب الإفرنج الحربية واحتكاك مباشر بخططهم السياسية والعسكرية: لقد كان محددا كيوم للقاء يوم الاثنين 15 رجب 479هـ (26اكتوبر 1068) ولكن "ميكيافيلية" الفونسو قضت بان يتم التناجز قبل ذلك بيومين؟ ووشكان ما أصبحت الملحمة المرتقبة أمرا واقعيا عندما باغتت جموع المسيحيين المعسكر الإسلامي الذي كان _ نتيجة ليقظة المعتمد _ وكأنه على موعد مع النضال.

والواقع أن الروح الوطنية_ الدينية التي الفت _إلا في فترات أخرى _ بين حشود المسيحين كانت عاملا فعالا في إيقاد جذوره الحماس في قلوب لم يكن لها من هدف إلا سحق قوى العدو وإقصاؤه عن التراب الوطني، ولكن هذه الروح المسيحية المضطرمة لم تغن القيادة الإفرنجية_ هي الأخرى_ عن اللجوء إلى وسائل الغزو المعنوي بطريقة أو أخرى مما كان يناسب الأوضاع العسكرية السائدة آنئذ (ومن أمثلة ذلك أثارة الأعصاب بوسائل صناعية كالقرع الشديد على الطبول أحيانا).

وإذا كان لنا أن نربط العلة بالمعلول والسبب بالمسبب فانه سيكون في وسعنا أن نغزو لتخطيطات يوسف كثيرا من القيمة والاعتبار بصفتها عاملا أساسا كان له أثره الفعال في توجيه دفة المعركة لصالح القضية الإسلامية، فقد لجأت القيادة المرابطية بوحي من يوسف طبعا إلى انتهاج طرق تقنية لا شك أنها كانت أساسا لتعديل الموقف من أساسه بعد أن بدأ يتخذ شكلا خطيرا بالنسبة للمسلمين، وبعد أن تنمر رجال الفونسو وكادوا يلوون بمصابرة وجلد الجنود الأندلسيين، ولم تكن هذه الطرق التي أتبعها المرابطون ارتجالية مبتسرة، بل أنها كانت مصممة تصميما دقيقا دل_ بحق_ على ما كانت تتوافر عليه قيادة يوسف من نضج عسكري كبير، ومن ذلك:

1. التزم روح السرية والدقة في التخطيط الاستراتيجي العام.

2. توزيع المهام والمسؤوليات توزيعا هادفا ودقيقا (الجيش الأندلسي للصدمة الاولى_ طلائع القوات المرابطية للقيام بدور النجدة والمؤازرة- قلب الجيش المرابطي لتطوير المعركة وتأمين فرص النصر النهائية فيها).

3. الاعتماد على وسائل الحرب النفسية في مقارعة الخصم: دور الأفيال التي كان يقاتل عليها المرابطون في إثارة الرعب والارتباك في صفوف المسيحيين والتأثير على أعصاب خيولهم.

4. استغلال الطاقات الشعورية الانفعالية عند المسلمين: استشارة مشاعر الحماس الديني والقومي وتوجيهها توجيها هادفا يتفق والأحوال العسكرية التي كانت تسود جو المعركة.

ومع ذلك فمن الضروري الإقرار بان الجانب المسيحي كانت تتوافر له أيضا كثير من العوامل المساعدة والملائمة، ولكي نتصور ذلك جيدا علينا أن نحدد في إطار ضيق عوامل الهزيمة والفوز في هذه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦٥٢