تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متخلفا عن ركب التطور العام ولعل أقوى دليل على تطور حضارة كل بلاد وتقدمها هو مقدار تعرفها على مختلف الثقافات واستيعابها لهذه الثقافات المختلفة، ومن نتائج الثقافة وانصهارها وخروجها إلى حيز الوجود يبدو لنا ما يسمى بالحضارة الإنسانية إذ الثقافة هي دافعة إلى تنظيم النشاط والخلق والإبداع وكلما ارتقى الإنسان في عمله وتنظيمه وخلقه فهو يكون في الواقع يشيد حضارة إنسانية، وتسمو الحضارة كلما سمت الثقافة وأعطت طاقة من الجهد والابتكار والتحويل والبناء.

وإذ أردنا أن نبحث في شعب ما عن درجة ثقافته وماهيتها فنحن في حاجة إلى التعرف سيكولوجية أفراده وجماعاته والى التعرف على الأدوات المادية التي أعانت تاريخه على التحرك لنعرف مدى سمو عقله وروحه ... ومتانة شخصيته.

وقد شاع خطأ أن المغرب معبر الثقافات، وذلك نظرا لموقعه الجغرافي بين الشرقية والغربية، وأظن أن هذا الرأي يفسد علينا قوة شخصيتنا وهو يكاد يتهمنا بفقدان ذاتية الثقافة المغربية فلسنا معبر ثقافات، وإنما نحن شعب له ثقافته الخاصة وذاتيته الأصلية وسوف نجد من خلال العرض التاريخي جزءا من هذه الشخصية واستقلالها، وهي ككل الشخصيات المستقلة تأخذ وتعطي، وتحتفظ بما يصلح لمقوماتها وتلفظ عنها الرواسب.

وقد ابتدع بعض المفكرين فكرة الشرق والغرب وأخذوا يضعون الشعوب في الطرفين حسبما تمليه مصالحهم تارة ف هذه الكتلة الشرقية وأخرى في تلك الكتلة الغربية وأنا لا أصدق نفسي حين أساير هذه النزعة، فلن يقر لتاريخ أبدا هذه الفكرة، وهي إلى الاصطلاحات الجغرافية اقرب منها إلى الاصطلاحات العلمية، ولو شئت أن تقيم الفرق على أسس دينية فان هذا التقسيم سيفاجئك نهاية في كل بلاد من البلدان، وإذا أردت أن تقسمها على أساس الثقافة فان هذه الثقافة تسلسلت مع الإنسان في الأزمان، فليست الفلسفة اليونانية وليدة الغرب بل هي متطورة على أسس الفكر الشرقي وليست الشيوعية وليدة الشرق أو الشرق وليست الشيوعية وليدة الشرق أو الشرق الأوربي فلها أصول من العهد القديم ونظريات بعض الفرق الإسلامية وفلسفة هيجل وفورباخ وماركس الخ ... والذين يعمدون إلى البحث على الفوارق يستندون على أجزاء مبعثرة من الماضي والحاضر، ويتكلفون لذلك ادعاء هو إلى الخطابة والجدل أقرب منه إلى الفلسفة والبحث العملي.

وإثارة شرقية المغرب أو غربيته هي فكرة خاطئة لا تحمل لنا كثيرا من اليمن ولا تساعدها آية مستندات على اعتبارها كحقيقة واقعية والشيء المحقق تاريخيا هو أن الصلة بيننا وبين الشرقيين كانت مستمرة ومنظمة وكانت ذات اثر في حياة المغرب العقلية والسياسية والاقتصادية.

ولكن ليس معنى هذا أننا جزء من العالم الشرقي، فاقد لشخصيته وكيانه، وكل ما نملك من علم وثقافة هو عن باب هذه بضاعتنا ردت إلينا حسب تعبير الصاحب بن عباد، والشيء المحقق حاضرا هو أننا اتصلنا بالغرب اتصالا وثيقا، اتصلنا به مكرهين واتصلنا به راضين، وتأثرنا به على أية حال من الأحوال ... ولنا طبائع تميز شخصيتنا كشعب بارزة في حياتنا كأفراد مستقلين وفي مجتمعنا كأفراد في هيئة.

والرجل المغربي مشهور بذكائه الخارق ونظرته إلى الأشياء نظرة شمولية كلية وفي محاولته دائما أن يربط النتائج بعضها ببعض وكان مؤسس علم الاجتماع (ابن خلدون) نموذجا لهذه الشخصية ذات الفكر الشمولي المحلل كما أن المغربي دقيق الملاحظة قلما يسلم احد من انتقاده ولا يجازف في الاستسلام حتى يحيط بجوانب النقص والكمال، ولذلك كان ابن شرف وابن رشق القيروانيين من أعلام الفكر الانتقادي في الدراسة الإسلامية والغربية، ولذلك أشتغل رجال الفكر في المغرب بالشرح والتعليق أكثر من التأليف، وقد انتقد بعض الشرقيين على المغاربة اشتغالهم بالتعليق والشرح والتنبيه، وأتهم فكرهم بالضحالة والمحل فأجابه مغربي على البديهة بقوله: نحن يشغلنا تصحيح أغلاطكم على التأليف. كما أن من خصائص نفسية المغربية أفراطه في الاحترام حين تظهر له أمارات الاستحقاق وهذا الإفراط في يظهر في الغالب بمظهر التقديس والجلال ومظاهر هذا التقديس، كالسجود لمن يتولى أموره فيخلص له العهد، والإفراط في الغيرة عن الشرف إلى حد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦٣٧