تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س 3، ع 10/ يوليوز 1960 .................. ص70

أصول الثقافة المغربية

للأستاذ الحسن السايح

ليست الثقافة إلا تعبيرا دقيقا عن خلجات الفكر الإنساني وتجاوبه مع الطبيعة والزمان ... فهي وليدة الإنسان عندما يستعمل فكره لمعالجة مقتضيات الحياة وتفهم مظاهر الطبيعية والكون محدودة في بيئتها وزمان إنتاجها .. ولكن مع ذلك فصلتها قوية بالتاريخ لان مركزها الشخصاني يقر دائما صلتها التسلسلية (بالماضي كعمل تجريبي، يمد الفكر بالخبرة (وبالمستقبل) كهدف لنشاطها، وصلتها قوية كذلك بالشخص نفسه لأنه نقطة ارتكازها يتسلسل فيه عمل الوراثة والتكوين الفسيلوجي.

ولتحقيق التجاوب بين الشخص وبيئته يتحتم علينا في عصر الحضارة أن نهتم بالثقافة اهتماما بليغا حتى ليظل توجيه الثقافة إيحاء عفويا وأنا نسعى إلى تخطيط معالمه ومدى تناسقه مع معطيات البيئة والشخصية، وذلك لتوتي الثقافة إنتاجها بطريقة رياضية واضحة، ولذلك فليست الثقافة كما عبر احد علماء الاجتماع: (إلا عبارة عن إجماع ما يتبقى للشخص ليعمل به في حياته وسلوكه) بل هي مدارك النشاط الخلاق، وإذا أردنا أن نعرف اليوم نوع الثقافة التي يجب أن نفزع إليها، فان ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بالشخص المواطن، وعملية التاريخ السلالي في تكوين معالم تفكيره، وبالبيئة نفسها وما تستجيب له من مطالب وتستوحيه من معطيات.

لان المثل العليا في كل شعب من الشعوب مستوحاة من مطالب البيئة وأهداف استمرار الحياة، وهذا المثل الأعلى هو العنصر الأول في تكوين الثقافة وتمايزها بحسب البيئات والأزمان وتطور الإنسان، إذ أن الثقافة هي التكوين العام المعد لتحقيق الرغبات الإنسانية، وها تختلف المثل العليا في سائر الشعوب فهي في الواقع ترجع إلى ثلاثة أهداف، هي تحقيق الخير، وإقرار الحق، والتأثر بالجمال وعلى قدر نمو هذا الهدف في الأفراد والشعوب تنمو الثقافة وتسمو أو تهزل وتنحط .. وتبعا لذلك فالثقافة وسيلة لتحقيق هدفا سامي لابد لها من الاستعانة بقيم روحية، وأدوات مادية للوصل إلى المثل الأعلى الذي يتجدد مع التطور الإنساني ويستمر باحثا عنه.

وأن ثقافة كل شعب هي لبنة في هيكل الثقافة العامة الإنسانية تتفاعل مع بعضها ويؤثر كل واحد منها في الأخر ولا غنى لهذه عن تلك مهما ظهر لنا أن بعضها ضئيلا ضعيف التأثير.

والثقافة لها وظيفة سامية هي تجهيز الشخص بالاستعدادات العقلية والنفسية واليدوية لمواجهة الحياة ومشاكلها والتغلب على صعابها، ومن تم فلا بد من تآزر الثقافات المختلفة لتقوية الشخصية الإنسانية إذ لا يمكن انعزال الشخص في مجتمع خاص وعدم اتصاله بمختلف الثقافات الأخرى وإلا فسيبقى

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦٣٦