المهمة ... فقد زرت مرة مكتبة الجامع الكبير بتطوان، وكانت حافلة بالذخائر العربية، حتى عادت عليها عوادي الزمان، أيام احتلال الاسبان، زرت هذه المكتبة التاريخية، وهي أحوج ما تكون إلى الإصلاح والترميم، وشيء من العناية والتنظيم، فكان مما وقفت عليه مصحف كريم، يرجع تاريخه إلى منتصف القرن السادس الهجري، وقد دارت الأيام، فعشت مع هذا المصحف سنين وأعواما، استطعت من خلالها أن أعرف شيئا عن حياته، وتاريخ نشأته، فقد ولد ونشأ بمدينة بلنسية في الأندلس سنة تسع وخمسين وتسع مائة هجرية، وبعد أن شب وترعرع، رحل إلى المغرب حوالي القرن الثامن الهجري، ثم طوف بالشرق العربي، وانتهى به المطاف إلى البقاع المقدسة، حيث جاور في الروضة الشريفة، تجاه الكعبة المكرمة سنين طوالا، ثم قفل راجعا إلى المغرب، وهناك وفي حدود العقد الثامن، من المائة الثامنة نزل بتلمسان، وأقام بالجامع الكبير، حيث مقابر الملوك التلمسانيين، إلى ما بعد القرن العاشر، وفي أواخر القرن الحادي عشر، هاجر من تلمسان إلى مدينة تطوان، حيث هو الآن هاجر من تلمسان إلى مدينة تطوان، حيث هو الآن.
وهذا المصحف الذي حدثتك عنه، هو مصحف ابن مزوق (781هـ)، الذي قال عنه المقري في النفح ج7ص335 - أنه رآه بتلمسان عند بعض أحفاد ابن مرزوق، قال وعليه خطه الرائق الذي أعرفه، وهو (أي ابن مرزوق) يقول: قرأت في هذا المصحف تجاه الكعبة المشرفة أثنى عشر ألف ختمه). قال المقري: ومع هذا فقد نسي في المصحف المذكور لفظة (إليك) من قوله تعالى (ينقلب إليك البصر) - يعني من سورة الملك حتى كتبها بخطه فوق السطر حفيده أبو عبد الله محمد ابن مرزوق (842هـ).وهذه العلامات، التي ذكرها المقري، لا تزال كما هي بادية للعيان، فالكلمات التي كتبها ابن مرزوق بخطه، تسجيلا للتاريخ، والتي تعتبر كعنوان لهذا المصحف توجد كلمة (إليك) التي ألحقها ابن مرزوق الحفيد، فوق آخر السطر السادس عشر، على يسار القارئ ص303، وكلمات هذا السطر على وجه الضبط إحدى عشرة كلمة؛ فهذا المصحف وأمثاله في نظري من التحف النفسية، والآثار التاريخية المقدسة، التي يجب أن تحاط بسياج من الصون والتقدير، لأنها ترمز إلى مقومتنا الدينية، وأثارنا الروحية.
وأرجوا أن تتاح لي فرصة للحديث عن وثائقنا التاريخية التي شغلت ركنا كبيرا في مكتباتنا، والتي كان يجب أن نأتي لها بمثال أيضا.
هذه بعض أمثلة قد تكون بسيطة، لأنها نتيجة جولة قصيرة في بعض مكتباتنا الصغيرة، وفي دائرة خاصة، أوردتها لا لتثبيت حقيقة أو لتدعم رأيا، وإنما سقتها لتدل من قريب أو بعيد، على ما في المكتبة المغربية الكبيرة، من كنوز وذخائر، لها قيمتها ووزنها ولها أثرها الفعال، في وعينا القومي، ونشاطنا الفكري، فهي تربط بين ماضينا وحاضرنا، وقريبنا وبعيدنا، وهي اللبنة الأولى، والأساس الذي يجب أن نبني عليه صرح نهضتنا، وتاريخنا الفكري والأدبي، وهي المرآة التي تنعكس عليها صورة المغرب الحقة.
وهنا يجب نتسأل، ومن حقنا أن نتسأل، لم لا تكون هناك هيئة، أو مؤسسة، تقوم على نشر وإحياء تراثنا الفري، أو بالأحرى على انتشاله من الضياع؟
أننا نرى في الشرق العربي جهودا موفقة، تبذل في هذا المضمار، تشترك فيها الجامعات، ودور النشر، وعدة هيئات وطنية؛ وان نمن البوادر الحسنة في هذا السبيل، انشاء معهد المخطوطات للجامعة العربية.
وكم كنا نود أن تتبنى هذا المشروع الهام، جامعتنا الفتية، وإدارة التعليم العالي، والبحث العلمي، حقق الله الآمال، ووفقنا جميعا لصالح الأعمال.
وقع خطأ مطبعي مهم في القسم الأول هذا البحث المنشور في العدد السابق فالرجاء من حضرة القارئ أصلحه كما يلي:
1. للشاعر المغربي مالك بن المرحل:
طاف الخيال بوادينا فما زارا
إلا وواقع سرب النوم قد طارا
2. " كتاب روضة الأنس ونزهة النفس".