والكتاب قد تناول مسائل مهمة في البلاغة، واعتمد على كثير من أصحاب هذا الفن، كالجاحظ وجعفر بن يحيى قدامة والباقلاني والجرحاني والرماني والامدي والحاتمي وابن رشيق ... وقد ينتقد احد هؤلاء ويناقشه مناقشة الند للند، وهو الى ذلك يتصل بالفلاسفة، ويحلل أرائهم، فتراه ينقل عن أرسطو في كتابيه "الخطابة"والشعر"، وعن أفلاطون ولاسكندر والفارابي وابن سينا ومن إليهم.
وطريقته انه بعد ان يقرر قاعدة من قواعد البلاغة، أو مسألة من مسائل البيان والبديع، يورد في موضوع القاعدة، أمثلة من كلام العرب الفصيح، ومجموعة من أشعار القدامى والمحدثين، وفي جملة من يستشهد بشعرهم أبن حمديس وابن هانيء وابن زيدون وابن خفاجة وأبو الصلت أمية بن عبد العزيز صاحب الحديقة (529هـ) ومن إليهم من شعراء الأندلس والمغرب، وهو مظهر من مظاهر المؤلفات المغربية، فالكتاب قد حاول أن يدرس البلاغة في أصولها، ويأخذها من مناهلها، وحاول أن يجعلنا نقرأ صور البيان، وأساليب البديع، في جو أدبي ممتع، ولكنه في تقريره للقواعد، وشرحه للمسائل، كثيرا ما تطغى عليه النزعة الفلسفية، والصناعة المنطقية، فيجف قلمه و يستعصى أسلوبه، وعلى الجملة فهذا الكتاب سلسلة جديدة، وحلقة من حلقات البلاغة العربية، يجب أن تخرج إلى عالم النور، ويتعرف إليها الباحث والدارس والكاتب.
4 - ولاحظت أن اللذين ترجموا للسلطان المولى سليمان العلوي (1238) وتحدثوا عن تاريخ حياته، لم يعرجوا على ناحية مهمة من حياته، وهي الناحية الأدبية، فهو فوق ما كان يغدق به على الأدباء والشعراء، من هبات وصلات، كانت له روح، تلك الأريحية، ذكروا أن منشدا انشد بمحضره ليلة المولد النبوي هذين البيتين:
له همم لا منتهى لكبارها
وهمته الصغرى اجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودها
على البركان البر أندى من البحر
وقد نسبها المنشد لحسان، وقال انه يمدح بهما الرسول عليه السلام، فأنكر عليه المولى سليمان، ونهاه أن يعود إلى إنشادهما، وقال أن البيتين ليسا لحسان، وأنهما بعيدان كل البعد عن روحه، ولا يتناسبان ومقام النبوة، وكتب في ذلك رسالة حلل فيها البيتين، وزيف المعنى الذي تضمناه، وانتقدهما سواء من الواجهة اللغوية، أو الناحية البلاغية، ونقل خلاصة هذه الرسالة ابن طاهر الهواري، (1220هـ) في توليف له، أيد فيه رأي المولى سليمان، وأكد بأن البيتين لبكر بن النطاح، لا لحسان، وقال إن المبرد نسب البيتين في كامله لابن النطاح، وكذلك ابن مرزوق في بعض شروحه على التلخيص، وقد رجعت إلى ترجمة ابن النطاح في الأغاني، فألفيته ذكر البيت الآني من البيتين، في جملة أبيات نسبها لابن النطاح، وقال انه يمدح بها أبا دلف، وتصفحن ديوان حسان الذي نشره البرقوقي الذي حقق هذا الديوان، نسب البيتين في شرحه على التخليص لحسان.
5 - وحتى في الطب فان في المكتبة المغربية مؤلفات ومؤلفات، لعلماء مغاربة، وأندلسيين، فقد وقفت - وأنا أنقب في بعض زوايا المخطوطات، من المكتبة العامة بتطوان،- على شرح الفية ابن سينا في الطب الموسوم"بالإيضاح والتتميم" لمؤلفه ابن مهنا، أحد الأطباء المشهورين، الذي تلمذ لابن الخطيب، ونقل عنه آراءه وتجاربه، ويقول في مقدمة الكتاب، انه اعتمد في هذا الشرح على كثر من أشياخه بسجلماسة، كأبي العباس الغماري، وجماعة آخرين ذكرهم، وقد أطرى المقري هذا الشرح وقال أنه من أبدع الشروح، في هذا الفن، وزاد يقول: وهو من الكتب المشهورة بالمغرب، ولم أراه بهذه الديار المشرقية، (النفح ج 10 ص142)
و من حسن حظ الباحث أنه توجد عدة نسخ لهذا الشرح، في المكتبات المغربية، فلو أننا وجدنا الباحث المختص في هذا الفن وقدم لنا دراسات وأبحاثا عن هذا الكتاب وأمثاله، لاستطعنا أن نعرف الصورة الحقيقية، التي كان عليها الطب في مدارسنا التاريخية.
6 - والى جانب ما في المكتبة المغربية من كتب المحفوظات، فان فيها الشيء الكثير، من التحف النادرة، و الإعلاق النفسية، والوثائق التاريخية