ويحسن بنا قبل دراسة القيمة الفنية لتلك الكتابات أن نشير في عجالة إلى ر الزخرفة الكتابية العربية، ومكانتها بالنسبة للفن الإسلامي وبالنسبة لفنون العالم الأخرى، كما نشير أيضا إلى الدوافع إلى وصول الخط 7والخطاطين المسلمين إلى احتلال تلك المكانة الفريدة بين خطوط وخطاطي العالم اجمع.
ليس ثمة فن استخدام الخط في الزخرفة بقدر ما ستخدمه الفن الإسلامي8، ولاغرو فإننا إذا استثنينا الكتابة الصينية لأنها نوع قائم بذاته، لا نجد خطا أوفق للزخرفة من الخط العربي، ذلك أن حروفه أصلح من غيرها لهذا الغرض بما فيها من استقامة وانبساط وتقيس فيسهل وصل الخطوط العمودية والأفقية فيه بالرسوم الزخرافية الأخرى، وصلا يتجلى فيه الاتزان والإبداع والجمال، عندما انتشر الخط العربي ف الإمبراطورية الإسلامية كلها، أتيح له أن يصل في نحو أربعة قرون إلى جمال زخرفي لم يصل إليه الخط أخر في تاريخ الأنانية قاطبة، وغدا الخطاطون ارفع الفنانين مكانة في العالم الإسلامي لاشتغالهم بكتابة المصاحف ونسخ كتب الأدب والشعر وخدمة الخلفاء والسلاطين، ولهذا حرص الخطاطون على الفخر بآثارهم الفنية فكانوا يذيلونها بإمضاءاتهم، كما أصبح الخط عند المسلمين يقصد لذاته ولم يكن وسيلة فحسب كما هو عند الغربيين، وإذا كان الغربيون يجمعون نماذج من توقيعات عظماء الرجال، فقد كان المسلمون يجمعون توقيعات مشاهير الخطاطين حرصا على ما فيها من أبدع وزخرفة.
قال ابن النديم في الفهرست" قال محمد بن إسحاق، أول من كتب المصاحف في الصدر الأول ويوصف بحسن الخط خالد بن أبي الهياج رأيت مصحفا بخطه، وكان سعد نصبه لكتب المصاحف والشعر والأخبار للوليد بن عبد الملك وهو الذي كتب من الشمس وضحاها إلى أخر القرآن. ويقال أن عمر الكتاب الذي في قبلة مسجد النبي (ص) بالذهب، ابن عبدا لعزيز قال: أريد أن تكتب لي مصحفا على هذا المثال فكتب له مصحفا تفوق فيه فأقبل عمر يقبله ويستحسنه واستكثر ثمنه فرده عليه ... وكان خشنام البصري ومهدي الكوفي في أيام الرشيد ولم ير مثلهما إلى حيث انتهينا .. وكان أبو حدي يكتب المصاحف اللطاف في أيام المعتصم من كبار الكوفيين وحذاقهم ... وأول من كتب أيام بني أمية قطبة وهو الذي استخرج الأقلام الأربعة واشتق بعضها من بعض وكان قطبة اكتب الناس على الأرض بالعربية ثم كان بعده الضحاك بن عجلان الكاتب في أول خلافة المنصور والمهدي فزاد على الضحاك، ثم كان لإسحاق عدة تلاميذ منهم ... وثناء الكاتبة .. واحمد الكلبي كاتب المأمون .. وهؤلاء كتبوا الخطوط الأصلية الموزونة التي لا يقوى عليها أحد".
وفى صبح الأعشى" .. انتهت رياسة الخط بمصر إلى طبطب المحرر جودة وإحكاما وكان أهل مدينة السلام يحسدون أهل مصر على طبطب وعبد كان، والأخير كاتب الإنشاء لابن طولون"، وإذا درسنا تأثيرات الفن الإسلامي على أوربا فلابد أن نشير إلى الخط العربي وتأثيره على فنون الغرب9
والآن ما هي الدوافع التي أوصلت كتابتنا العربية إلى هذه المكانة المرموقة؟ الحق أن الدين الإسلامي بما تضمنه من نظم وتوجيهات كان له أكبر الأثر في نضوج الفنون الإسلامية ومن بينها فن الخط، وبينما لم يشجع الدين على النحت والتصوير نجده قد آثر الخط برعايته، قال تعالى:" اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم".وأقسم الله تعالى في كتابه العزيز بقوله:" ن والقلم وما يسطرون" كما قال سبحانه " وان عليم لحافظين كراما كاتبين" وقال كذلك:" بأيدي سفرة كرام بررة" وسفرة بمعنى كتبة ومفردها سافر وهو أي يكتب في الأسفار ومفردها سفر وهي الصحف وعندما أذعن فنانونا لرغبة الخالق وانصرفوا عن تصوير الكائنات الحية
7 لمعرفة أصل الخط توقيف (تعليم) أو اختراع، أنظر: الصباحي (في فقه اللغة) لاحمد بن فارس من ائمة القرن الرابع الهجري، وكذا القلقشندي: صبح الاعش ج3في وضع مطلق الحروف ص10و11 طبعة القاهرة 1914.
8 زكي محمد حسن: فنون الإسلام ص234
9 انظر: Christie في Islamic Minor Arts and their influence upson European work
وهو فصل من كتاب Legacy of Islam الذي ترجمه زكي محمد حسن تحت اسم تراث الاسلام. وأنظر كذلك مقالنا بدعوة الحق عدد مارس1960.تأثير الفن الإسلامي على فنون أوربا.