ومن هذا الطراز كذلك ثريا من النحاس كانت موجودة بالمسجد الجامع بالقيروان ثم نقلت لمتحف باردو بتونس تحمل في أسفلها كتابة نصها " عمل محمد بن علي القيسي الصفار5 للمعز أبي تميم".
غير أنني آثرت في هذه العجالة أن اقتصر على مثال واحد من تلك التحف يمكن أن يوضح لنا سريان التأثيرات من المغرب الإسلامي إلى الشرق، في مصر وإيران. والى الغرب في الأندلس وباقي دور أوربا.
ولاشك أن المقصورة الخشبية بالمسجد الجامع بالقيروان وأبواب مكتبة هذا المسجد سجلوا علينا جميعا تطورا واضحا في صناعة الخشب عند الفاطميين بالمغرب، وقد صنعت المقصورة والأبواب الخشبية في أيام الخليفة الفاطمي المستنصر بالله عام 431هـ (1040م) بواسطة المعز بن باديس من امراء بني زيري (الذين حكموا تونس والجزائر باسم الفاطميين) كما هو مكتوب عليها.
والذي يستلفت النظر عند دراسة هذه التحفة عاملان:
أما الأول فهو يتعلق بطريقة الصنع، إذ يشاهد أنه قد استعمل في هذه المقصورة ما يسمى في الصنعة بخشب الخرط 6 Turnedwood وهو يعد في الحقيقة من ابتداع المصريين الذين استخدموه بكثرة فيما سموه بالمشربيات (مفردها مشربية) وفي تلك الحواجز الخشبية التي توضع أمام الفتحات من نوافذ وغيرها فتسمح فراغاتها بتسرب الهواء داخل البيوت، كما تسمح للحريم في نفس الوقت ان يقفن وراءها لمشاهدة الحياة التي تجري في الشوارع و الأسواق دون ان يخدش حجابهن احد المارة.
ولهذا يبدو لنا أن الفن المغربي قد تأثر في هذه الفترة بالفن المصري الإسلامي، ولا عجب في ذلك إذا تذكرنا أن افريقية لا تزال تابعة لمصر في ذلك الوقت.
(أنظر اللوحة رقم2)
أما العامل الثاني الذي يهمنا من هذه التحفة الغنية بزخارفها، فهو عناصر زخرفتها وقوامها عناصر هندسية وأخرى نباتية، ثم عناصر كتابية، وفيما يختص بالزخارف الكتابية بهذه المقصورة نلاحظ نوعا من الخط يسمى بالخط الكوفي المضفر Coufique tressé ويبدو لنا هذا الطراز من الخط فوق أرضية غنية بالزخارف النباتية. (اللوحة رقم3)
5 الصفار أي النحاس.
6 Bois Tourné وتعد المقصورة من الأمثلة الأولى لصناعة خشب الخرط، انظر
L'art de l »islam-G Merçais بباريس 1946ص85و86