هانوتو حيث يقول له: "ان الحضارة التي وصل إليها من البلد الشرقية الأوربية وان اليونان الذين سماهم مسيو هانوتو معلمي أوربا اقتبسوا مدنيتهم من مخالطة الأمم السابقة.
وانه بينما كانت أوربا لا تعرف مدينة غير التسافك في الدماء وإشهار الحرب جاء إليها الإسلام حاملا معه علوم أهل فارس والمصريين والرومان واليونان بعد أن نظف جميع ذلك ونقاه من الأردن والأوساخ التي تراكمت عليه بأيدي الرؤساء في الأمم الغربية مما يأخذه ألان الشرق المضمحل عن الغرب المستقل ... )
وهو يهاجم المنتحلين والمقلدين هجوما حرا: فيقول: علمتنا التجارب ونطقت مواضي الحوادث بأن المقلدين من كل امة المنتحلين أطوار غيرها، يكونون فيها نوافذ لتطرق الأعداء إليها، وتكون مداركهم مهابط الوساوس، ومخازن الدسائس، بل يكونون بما أفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين قلدوهم، واعتقاد من ليس على مثالهم شؤما على أبناء أمتهم، يذلونهم ويحظرون أمرهم وستهينون بجميع أعمالهم وان جلت، و يصير أولئك المقلدون طلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات، يمهدون لهم السبيل ويفتحون الأبواب، ثم يثبتون أقدامهم ويمكنون سلطتهم، ذلك بأنهم لا يعلمون فضلا لغيرهم ولا يظنون أن قوة تغالب قواهم.
وقد عرف محمد بن عبده بانه في خلال حياته الفكرية والصحيفة لم يمس فردا من الافراد مهما يكن بينهما من خصومة لم يمس فردا اضطر الى ذلك هاجم في اسلوب عف كان يتجه دائما الى الناحية الموضوعية.
وقد جعل محمد عبده إصلاح اللغة واحدا من هدفيه العظيمين الذين وقف حياته عليهما فيما يروي عن نفسه في حديث طويل ... أما الهدف الثاني هو تحري الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة.
يقول محمد عبده انه دعا إلى إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير سواء في المخاطبات الرسمية أو في المرسلات بين الناس (وكانت أسالي الكتابة في مصر تنحصر في نوعين كلاهما يمجه الذوق وتنكره لغة العرب. الأول: ما كان مستعملا في مصالح الحكومة وما يشبهها، وهو ضرب من ضروب التأليف بين الكلمات رث خبيث غير مفهوم ولا يمكن رده إلى لغة من لغات العالم، لا في صورته ولا في مادته، والنوع الثاني ما كان يستعمله الأدباء والمتخرجون من الجامع الأزهر، وهو ما كان يراعى فيه السجع وان كان باردا، وبالحظ فيه الفواصل وأنواع الجناس وان كان رديئا في الذوق بعيدا عن الفهم ثقيلا على السمع غير مؤد للمعنى المقصود.
وترجع قدرة محمد عبده في التحليل إلى نزعته الفلسفية التي تتفق مع طبيعته التي تتجه إلى التأمل والروية، فقد كان دائما يرجع في تقرير الرأي إلى البرهان ويرفض الأحكام المشهورة.
وقد كان الشيخ عبده معنيا بالتحدث عن (علة تأخر الشرق) مطالبا بدراسة علم التربية الذي يمس أدب النفس وما أودعته الديانة من الأدب النفسية و الكمالات الروحية لم يختلف في صحته احد من البشر حتى من يظن نفسه غير آخذ بالدين، فإذا استكملت النفس بآدابها، عرفت مقامها من الوجود وأدركت منزلة الحق في صلاح العالم فانتصبت لنصره وأيقنت بحاجتها إلى مشاركيها في الوطن والملة، فأخذت بالفضيلة الجامعة للفضائل وهي ما يعبر عنه بحب الوطن والدولة والملة.
وعلى الجملة فان أسلوب محمد عبده كان عنوانا على تحرير الأسلوب العربي من السجع المتكلف مطلقا من القيود وقد وصف عبده هذا الأسلوب بأنه يقصد إلى (الإبانة عن الغرض لا الغاز فيه وان أساس البلاغة القصد في التعبير والدقة ف الأداء).
وقد حرص محمد عبده على الدعوة إلى التربية وقرر "تقليد الأوربيين ومجاراتهم في عادتهم التي نظنها تفوق عاداتنا البسيطة، كما حارب الترف وحمل على الأثرياء الذين جعلوا همه تحصيل ضروب اللذات واستكمال وسائل الترف".
وكان في دعوته إلى الحرية الفكرية حريصا على التدرج يقول" من الخطأ بل من الجهالة أن تكلف الأمة بالسير على ما لا تعرف له حقيقة أو يطلب منها ما هو بعيد عن مداركها بالكلية كما انه لا يليق أن يطلب منها من الشخص الواحد ما لا يعقله أو ما لا يجد إليه سبيلا. وغنما الحكمة أن تحفظ لها عوائدها الكلية المقررة في عقول أفرادها، ثم يطلب بعض تحسينات فيها لا تبعد منها بالمرة، فإذا اعتادوها طلب منهم ما هو أرقى بالتدريج حتى لا يمضي زمن طويل إلا وقد انخلعوا عن عادتهم وأفكارهم المنحطة إلى ما هو أرقى من حيث لا يشعرون".
والشيخ محمد عبده بعد هذا كله حبيب إلى نفوس أهل المغرب فقد زارهم وترك فيهم آثار فكرية لا تنسى.