فصدر آخر أعدادها في 18 أكتوبر 1884 فلما عاد محمد عبده إلى سوريا بدأ مشروعا قوامه التأليف والبحث فشرح نهج البلاغة ومقامات بديع الزمان وأملى رسالة التوحيد فلما عاد إلى مصر كتب فصولا في الرد على مقال جبرائيل هانوتو وزير الخارجية الفرنسية (وجها لوجه مع الإسلام والمسألة الإسلامية) كما رد على (فرح أنطوان) محرر مجلة الجامعة ردا مفحما لاذعا.
وعمد محمد عبده إلى ترجمة رسالة أستاذه جمال الدين الأفغاني من الفارسية إلى العربية " الرد على الدهريين"
وهكذا ملأ محمد عبده حياته بالعمل الأدبي والفكري فكان ذلك جانبا من إبراز جوانبه المتعددة كمفت للديار المصرية وقاض أهلي ومستشار في محكمة الاستيناف وعضو في مجلس الأزهر.
ولاشك ان رعاية محمد عبده لمجلة المنار في أيامه الأخيرة ونشر أرائه بها على لسان السيد رشيد رضا هو جزء من الخطة المجيدة له كرجل صحفي وكاتب اتصل بالصحافة والفكر ثلاثين عاما كاملا.
ولاغرو أن يتجه محمد عبده هذا الاتجاه فقد كانت الكتابة والصحافة هي وسيلة المصلح والداعية والمفكر في أداء رسالته فإذا عرف أن الشيخ محمد عبده قال في مطالع حياته (إنما خلقت لكي أكون معلما) عرفنا انه انتقل من التعليم في الفصول وبين مقاعد الدرس، إلى التعليم على نطاق الأمة كلها عن طريق الصحيفة والكتاب.
وتبدو صورة محمد عبده كرجل يكره التقليد في أسلوبه الذي كتب به في الأهرام لأول مرة، وفي نوع محاضراته التي بدأ بها عمله في دار العلوم، حيث تحدث عن (مقدمة ابن خلدون) وتوسع في الحديث عن نهوض الأمم وسقوطها وأصول الحضارة والعمران البشري والاجتماع الإنساني.
وقد بدأ محمد عبده اتجاهه الأدبي والصحفي بالدعوة إلى الإصلاح و التعليم، ولم يكن في صميم عقيدته يرضي عن وسائل الثورة والتهييج والأسلوب العاطفي في تحقيق رسالته، وهو أن أكن قد جرى مع أستاذه جمال شوطا في هذا الاتجاه إلا أنه لم يلبث أن عاد إلى فطرته فاعلن مذهبه واضحا: الإيمان بالتربية والعكوف على إعداد أفراد على أهداف واضحة مكان هادئ بعيد.
وربما كانت لقراءته وتجاربه وأسفاره الى أوربا ولقائه لعدد من علمائها وساستها أثر واضح في تكييف هذا الرأي، ولاشك ان الشيخ محمدا عبده قد جبل على الاتجاه العقلي والاجتهاد ووضع ذلك منذ أن رجع مذهب (المعتزلة) في الأزهر فنال غضب أساتذته وقال له الشيخ عليش يحاوره: بلغني أنك رجحت مذهب المعتزلة على مذهب الاشعرية. فانبرى عبده يرد عليه بقوله: إذا كنت اترك تقليد الجميع واخذ بالدليل.
وهكذا تحرر محمد عبده من الأساليب القديمة ورفض التقليد ونهج في دروسه نهجا جديدا، وكانت حلقاته في التاريخ الإسلامي وفلسفة الاجتماع وأسرار نهوض الأمم في الأزهر ودار العلوم ومدرسة الالسن تقوم على أساس التوجيه والبعث وتطهير العقول من الخرافات والبدع.
وقد عرف محمد بن عبده بالبلاغة في الحديث والتمسك بالعربية الفصحى في الكتابة والحديث، فصيح اللسان بليغ العبارة. وقد أعانه على ذلك إتقانه للآداب العربية مما مكنه من تكييف أسلوبه الأدبي وفق الاتجاه العلمي. وقد قرأ محمد عبده مصنفات العلماء الغربيين مترجمة إلى العربية، وفي حدود الأربعين تعلم اللغة الفرنسية، وعنى بقراءة كتب الأخلاق والاجتماع والتاريخ والفلسفة والتربية مما ترجم عن الفرنسية أو الانجليزية وأعجب بهربرت سنبر وزاره في انجلترا وترجم إلى اللغة العربية كتابه في التربية عن النص الفرنسي، وقد أشار محمد عبده إلى أثر تعلمه لغة أجنبية فقال (إن الذي زادني تعلقا بتعلم لغة أوربية هو أني وجدت انه لا يمكن لا حد أن يدعي انه على شيء من العلم يتمكن به من خدمة أمته، ويقتدر به على الدفاع عن مصالحها كما ينبغي إلا إذا كان يعرف لغة أوربا، كيف لا وقد أصبحت مصالح المسلمين مشتبكة مع مصالح الأوروبيين في جميع أقطار الأرض، وهل يمن مع ذلك لمن لا يعرف لغتهم أن يشتغل للاستفادة من خيرهم أو للخلاص من شر الشرار فيهم).
ويرى محمد عبده أن رحلاته إلى أوربا أمدته بفائدة عظيمة فكان يقول (ما من مرة اذهب إلى أوربا إلا ويتجدد عندي الأمل في تغيير حال المسلمين إلى خير منها) وكان الشيخ خلال أسفاره إلى فرنسا وسويسرا يحضر في جامعة جنيف دروس العطلة في الآداب وتاريخ الحضارة.
وقد كان محمد عبده قوي الحجة في معارضته لأعداء الفكر العربي ويبدو ذلك في رده على جبرائيل